طلب فتوى
الأقضية والشهاداتالغصب والتعديالفتاوىالمعاملاتالمواريث والوصايا

التعويض عن الضرر

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

رقم الفتوى (2961)

 

ورد إلى دار الإفتاء السؤال التالي:

امرأة طاعنة في السن، توفي زوجها، ولم تنجب منه، وتركَ ميراثًا على الشيوعِ مع إخوته، الذين منعوا زوجة أخيهم من الحصول على نصيبها في إرث زوجها، فاضطرت لرفع أمرها إلى القضاء، عن طريق وكيلها، فحكم لها – بعد سنوات من التقاضي – بإعطائها نصيبها، بعد فرزه وإنهاءِ حالةِ الشيوع، ولما جاء موعد التنفيذ، فوجِئ الوكيلُ بوقف التنفيذ من المحكمة؛ لوجود دعوى إشكالٍ، مرفوعةٍ ضدّ موكلتِه من أحد الخصوم، فلما أرادت حسمَ تلك الدعوى عن طريق دفاعِها، تبيَّنَ أنّ رافع الدعوى إنما قصدَ الإضرارَ بها، بتأخيرِ تنفيذ الحكمِ، ليس إلّا؛ لأنّه قامَ برفع دعوى ضد صاحبةِ الحقِّ، وأعلنَ بها قلمَ المحضرين فقط، دون إعلانِ صاحبةِ الحق، ولم يقمْ بإيداعِ صحيفة الدعوى لدى قلمِ كتاب المحكمة، حتى تقيَّدَ في السجلِّ العام، ومن ثمَّ يتمّ نظرها في الموعد المحددِ، من قبل الدائرة المختصة.

وعليه؛ هل يجوز لطالبة التنفيذ أن تقيم دعوى للمطالبة بالتعويض ضد المحكوم عليه، رافع دعوى الإشكال، استنادًا للأفعال المنسوبة إليه، والتي بموجبها حرمت صاحبة الحق من الوصول إلى حقها، بتنفيذ الحكم في وقته، واستنادا إلى أن المحكوم عليه تعسّفَ في استعمال حقٍّ مكفولٍ له، باستعماله لذلك الحق في غير الوجه الذي جُعل له؟ أم أنّ للمحكوم عليه شرعًا أن يباشرَ أيّ سبيل يراهُ، لمنع تنفيذ الأحكام القضائية الصادرةِ ضده، وأن حقوقه مكفولةٌ للذودِ عن مصالحِه، ولا تثريبَ عليه، استنادًا إلى القاعدة الفقهية، التي تنصُّ على أنّ جوازَ استعمالِ الحقِّ ينافي الضمانَ؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن كان الواقع ما ذكر في السؤال، فإن ما قام به الخصم، من رفعه دعوى، الغرضُ منها الحيلولة بين صاحب الحق واستلام نصيبه؛ يعد من التعدي والظلم، يستحقّ بسببهِ العقوبة التعزيريةَ الرادعةَ، وليس مِن حقه أن يستغلّ بعضَ الثغرات القانونيةِ للإضرارِ بالآخرينَ، بدعوى أنّه يمارسُ حقًّا كفلَه له القانون، واحتجاجه بقاعدة: (استعمال الحق ينافي الضمان) احتجاجٌ خاطئ؛ فإن ذلك مقيدٌ باستعمال الحق على الوجه المشروع، لا على وجه الإضرار والتعدي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (لا ضرر ولا ضِرار) [الموطأ:1429، ابن ماجه:2340].

ورفع دعوى بالتعويض من المحكوم له بسبب تأخير التنفيذ يجوزُ، شريطةَ أن يكونَ التعويض على الضرر المادي الفعلي، وما لحق المضرور من خسارة مالية حقيقية، بسبب التأخير إن وجدت، فهذا هو الضرر الذي يجوز التعويض عنه بالمال، أما إذا كان الضرر من قبيل الضرر الأدبي أو المعنوي؛ فلا يجوز أخذ التعويض المالي عنه، وإنما يعاقب المتسبب فيه بالتأديب الرادع؛ مثل الحبس، وغيره من العقوبات التعزيرية؛ قال الحطاب رحمه الله: “قال في الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ صَالَحَ مَنْ قَذَفَ عَلَى شِقْصٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يَجُزْ، وَرُدَّ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، بَلَغَ الْإِمَامَ أَمْ لَا. اُنْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ، وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْأَخْذِ عَلَى الْعِرْضِ مَالًا” [مواهب الجليل:305/6].

وهذا ما تبناه مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ونصه: “الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي، وما لحق المضرور من خسارة حقيقية، وما فاته من كسب مؤكدٍ، ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي” [قرار رقم: 109 (3/12)]، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد محمد الكوحة

أحمد ميلاد قدور

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

16/شعبان/1437هـ

23/مايو/2016م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق