طلب فتوى
التبرعاتالفتاوىالمعاملاتالوقف

حكم تحويل مقبرة دارسة إلى حديقة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (3598)

 

السيد/ مختار محلة (ص)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تحية طيبة، وبعد:

فبالنظر إلى مراسلتكم المتضمنة السؤال عن وجود مقبرة منذ السبعينات، ويدفن فيها الأموات إلى آخر الثمانينات، وهي وسط العاصمة بجزيرة سوق الثلاثاء، وأن هناك مشروعًا تابعًا للدولة تقوم به شركة الخدمات العامة، لتنظيف الحديقة المجاورة للمقبرة وغرسها، وترغب هذه الجهة بضم هذه المقبرة إلى الحديقة، فما الحكم الشرعي في ذلك؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فالأصل أن لا يُتصرف في المقبرة بأي نوع من أنواع التصرف؛ لأن القبر حبس على صاحبه ما دامَ فيه، ويحرم نبشه، مادام به شيءٌ من عظامِه غير عَجْب الذَنَب، قال ابن الحاج رحمه الله: “… وذلكَ أنّ العلماءَ رحمة الله عليهم قد اتفَقوا علَى أَنّ الْمَوْضعَ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَقْفٌ عَلَيْهِ، مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْهُ مَوْجُودًا فِيهِ، حَتَّى يَفْنَى، فَإِنْ فَنِيَ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ دَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِن عِظَامهِ فَالْحُرْمَةُ بَاقِيَةٌ لِجَمِيعِهِ” [المدخل:18/2]، وقال الدردير رحمه الله: “(ولا ينبش) أي: يحرم (مادام) الميت أي: مدة ظن دوام شيء من عظامه غير عجب الذنب (به) أي: فيه”[الشرح الكبير على مختصر خليل:428/1]، ولأن فيه إيذاءً للأموات، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كسرُ عظمِ الميتِ ككسرِه حيًّا) [أبوداود:3207]، إلا إذا تبين أن العظام قد بليت تمامًا في هذه المقبرة، وصارت رميمًا، فإنه يجوز لكم حينئذ ردمُ هذه المقبرة والدفنُ فيها من جديد، أو غيره، مما يخدمُ المصلحةَ العامة، أخذًا بمذهبِ جمهور الفقهاء؛ قال ابن عابدين الحنفي رحمه الله: “وقال الزيلعي: ولو بلي الميت وصار ترابًا، جاز دفن غيره في قبره، وزرعه، والبناء عليه” [رد المحتار على الدر المختار:233/2]، وقال النووي الشافعي رحمه الله: “يجوز نبش القبر إذا بلي الميت وصار ترابا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض، وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب، وإن كانت عارية رجع فيها المعير، وهذا كله إذا لم يبق للميت أثر من عظم وغيره” [المجموع شرح المهذب:303/5]، وقال الحجاوي الحنبلي رحمه الله: “وإذا صار رميما جازت الزراعة وحرثه وغير ذلك، وإلا فلا، والمراد إذا لم يخالف شرط واقف؛ لتعيينه الجهة” [الإقناع:235/1].

عليه؛ فلا يجوز لكم استغلال أرض هذه المقبرة في الصالح العام، إلا إذا فنيت عظام الموتى، ولم يبق للعظام أثر بأن صارت ترابا، والمعروف عند أهل الخبرة أن المدة المذكورة في السؤال لا تكفي لفناء العظام، فإذا تحققتم مِن فنائها بالاستعانة بأهل الخبرة والجهات المختصة، فالأنسب اتخاذها محلاّ للصلاة داخل المنتزه؛ إعانة على الطاعة، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد ميلاد قدور

حسن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

05/شوال/1439هـ

19/يونيو/2018م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق