بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6032)
السيد/ عميد بلدية طرابلس المركز.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحية طيبة، وبعد:
فبالإشارة إلى مراسلتكم، وسؤالكم عما يدور بين مواطني البلدية بخصوص التساؤلات الآتية:
- متى يجوز الاستفادة من المقابر الدارسة بالبلدية؟
- بعض المقابر يرفض أهلها السماح للناس بالدفن بحجة أن هذه المقابر أهلية، فهل يجوز لهم ذلك؟
- بعض الناس يتعفف من الدفن في المقابر الموجودة خارج المدينة، فما حكم ذلك؟
- هل يجوز شرعا تحديد أوقات معينة لزيارة المقابر المقفلة؛ حماية لها من العبث والسحر؟
فالجواب كالآتي:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالأصلُ أن لا يُتصرّف في المقبرة بأيّ نوعٍ من أنواع التّصرّف؛ لأنّ القبر حبس على صاحبه، ما دامَ به شيءٌ من عظامِه غير عَجْب الذَنَب، قال ابن الحاج رحمه الله: “… وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ رَحْمَةُ اللَهِ عَلَيْهِمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَقْفٌ عَلَيْهِ، مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْهُ مَوْجُودًا فِيهِ، حَتَّى يَفْنَى، فَإِنْ فَنِيَ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ دَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عِظَامهِ فَالْحُرْمَةُ بَاقِيَةٌ لِجَمِيعِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْفَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَلَا يُكْشَفَ عَنْهُ اتِّفَاقًا” [المدخل: 2/18-19]، وقال الدّردير رحمه الله: “(وَلَا يُنْبَشُ) أَيْ يَحْرُمُ (مَا دَامَ) الْمَيِّتُ أَيْ مُدَّةَ ظَنِّ دَوَامِ شَيْءٍ مِنْ عِظَامِهِ غَيْرَ عَجْبِ الذَّنَبِ (بِهِ)” [الشرح الكبير: 1/428]، ولأنّ فيه إيذاءً للأمواتِ، فقد صحّ عن النّبي ﷺ أنّه قال: (كَسْرُ عَظْمِ المَيّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا) [أبوداود: 3207].
عليه؛ فلا يجوز التصرف في هذه المقابر بالدفن فيها، إلا إذا تحققتمْ مِن فناءِ عظامِ الموتى، وأنها صارتْ ترابًا، واستعنتمْ في ذلكَ بأهلِ الخبرةِ والمعرفةِ، وللتحقق من ذلك يمكن تكليف أهل المعرفة والخبرة بنبش بعض القبور، في المقابر أو أجزاء منها، التي مضى على انقطاع الدفن فيها المدّةُ الطويلة، وبناء عليه؛ إذا تبين فناء ما في القبور من الأموات، جاز لكم الدفن فيها من جديد.
ويمكنكم الاستفادة مِن المقابر الممتلئة في البلدية، بأن تُغطّى القبور فيها بطبقةٍ من الخرسانةِ المسلَّحة، قائمةٍ على قواعدَ تُحفرُ في كلّ مسافةٍ من المقبرة، تُحمل عليها الخرسانات، ثم تُردم الخرساناتُ بمستوًى من التّراب، يَتم الدفن فيه، هذه هي الطّريقة الّتي يكون بها الرّدم، إنْ أردتم أنْ تستفيدوا من المقبرة بالدفنِ فوق القبور التي لم تبل عظامها، بحيثُ تحفظُ حرمةُ هذه القبور.
أما المقابر التي يرفض أهلها السماح للناس بالدفن فيها، بحجة أن هذه المقابر أهلية، فالمعتدُّ به فيما ذُكِر معرفةُ أصلِ أرض هذه المقابر، فإن كانتِ الأرض محبسةً على جميع المسلمين، أو لم يشترط المحبس فيها شيئًا، أو خصصتها الدولة لعموم الدفن والانتفاع بها لعامة الناس، أو لم يُعلَم أصلها؛ فهي لعموم المسلمين، ولا يجوز منع أحد من الدفن فيها، بقصرها على منطقةٍ بعينها، أو طائفةٍ مخصوصة.
وإن كانت حبسًا مخصصا لجهة، فالواجب العمل بما خصصته وحددته وثيقة الحبسية؛ لأن اتباع شرط الواقف واجبٌ، إذا خلا من مخالفة شرعيةٍ، وهو كنصِّ الشارع؛ قال تعالى: ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة:181]، فينظر لشرط المحبس، فإن كان قد خصصها لمنطقةٍ بعينها، أو طائفة مخصوصةٍ، فالواجب اتباع شرطه، ولا يجوز تغييره، وإلا فهي لعامة المسلمين، قال خليل رحمه الله: “وَاتُّبِعَ شَرْطُهُ إِنْ جَازَ” [المختصر:252]، وقال ابن الحاجب رحمه الله: “مَهمَا شَرَطَ الوَاقف مَا يَجوز لَه اتبعَ كَتخصيص مَدرَسَة أَو ربَاط” [التاج والإكليل: 649/7].
وقد استحب الفقهاء دفن الميت بين أقاربه؛ لتسهل عليهم زيارته، وأجازوا نقله إليه إن توفي في غيره، قال الخرشي رحمه الله: “وَجَازَ نَقْلُ الْمَيِّتِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ قَرِيبٍ بِحَيْثُ تُرْجَى بَرَكَةُ الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ أَوْ يَكُونُ بَيْنَ أَقَارِبِهِ، بَلْ هُوَ حِينَئِذٍ مُسْتَحَبٌّ” [شرح الخرشي على مختصر خليل: 2/133]، لكن مع امتلاء المقابر في البلدية؛ فلا مبرر لتعفف بعض الناس من الدفن في المقابر الموجودة خارجها، مع كونها قريبة في الغالب، فلا يوجد تفضيل شرعي بين عامة المقابر داخل المدينة أو خارجها، كلها سواء إلا ما خصها الدليل في أماكن ترجى بركتها كالبقيع بالمدينة المشرفة.
ويجوز للبلدية تحديد أوقات معينة للزيارة؛ للتنظيم وصون المقابر من العبث، فيجوز للدولة أن تضع قوانين تقيد بها المباح لمقصد معتبر، إن كانت فيها مصلحة ظاهرة، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
حسن بن سالم الشريف
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
07/ ذو الحجة/ 1446هـ
2025/06/03م