المنتخب من صحيح التفسير- الحلقة (365)
بسم الله الرحمن الرحيم
المنتخب من صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
الحلقة (365)
[سورة الأعراف: 40-43](إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ)(40-41)
هذا حكمٌ بالنار على من كَذَّب من الأمم من الفريقين؛ أُولاهم وأُخراهم، الذين كَذَّبوا بالآيات -وهي آياتُ القرآن التي تُتلى، والمعجزات الخارقة التي ظهرتْ لهم على صدقِ الرسول- و(اسْتَكْبَرُوا) فتَكبروا عن الإيمان بها هؤلاء (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَآءِ) ولا تُرفع لهم أعمال، ولا يُقبل لهم رجاءٌ، كما ترفع الأعمال الصالحة، ولا تَصعد أرواحُهم إلى عليين كما تَصعد أعمال الأبرار وأرواحهم، قال تعالى: ﴿وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ یَرۡفَعُهُ﴾([1])، وقال تعالى: ﴿كَلَّاۤ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِی عِلِّیِّینَ﴾([2])، وقال تعالى: ﴿كَلَّاۤ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِی سِجِّینࣲ﴾([3]).
فتضعيف الفعل في (تُفَتَّحُ) لتكثير ما يَنزل من الرحمات من هذه الأبواب، وما يُرفع من الأعمال الصالحة والدعوات، وجمع الأبواب والسموات أيضًا للتكثير، وللإشارة إلى أنها عوالم لا يعلم سعتَها وكُنهَها إلّا اللهُ تبارك وتعالى وحدَه، وكذلك لا يعلمُ حقيقة ما اشتملتْ عليه من مخلوقات، وما أُسند إلى مَن بها مِن أعمال – تَتنزل بها الرحمات على المحسنين، ومن عذابٍ ونقمٍ على الظالمين – إلَّا هُو.
(وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) أي دخول الجنة محالٌ على الذين كَذَّبوا واستكبروا كاستحالة مرور الجمل من ثقب المِخيط الإبرة؛ لأنّ غاية حرمانهم من الجنة الذي أفادته (حَتَّى) مُعلّقٌ على مستحيلٍ لا يقع، فلازِمُه وهو الدخولُ مستحيلٌ.
فـ(حَتَّى يَلِجَ) للغاية، و(يَلِجَ) يدخل ويَمرّ، و(سَمِّ الْخِيَاطِ) السَّمُّ: الثقب الصغير، والْخِيَاط والمِخْيَطُ: آلة الخياطة، وهي الإبرة.
(وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) أصحاب الذنوب، أي ومثل هذا الجزاء بالحرمان من الجنة، والحرمان من فتح أبواب السماء، نُجَازِي كلّ المجرمين، ممن أذنبوا وعصَوا الله.
(لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) اللام في (لَهُم) للاختصاص، والمِهاد كالفِراش وزنًا ومعنًى، وهو الذي يُفترش للراحةِ عليه، والغَوَاشِي: جمعُ غاشية، ما يأتي الإنسانَ من فوقه، ومعناه ما يُغطيهم ويلتحفونَ به، ففراشهم نارٌ، ولِحافهم وغطاؤهم نارٌ، فالنّار مِن فوقهم ومِن تحتهم.
(وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) الكَفَرة، أي ومثلَ هذا العذاب المحيط بالمجرمين نُجَازِي الظالمين الكَفَرة، وهو مِن ذكرِ الخاصِّ بعد العامّ، فالظالمونَ أهل الكُفر أخصُّ من المجرمين، وهم المذنبون، الذي يعم ذنب الكفر وذنب المعاصي، ولذا اقتصر في عقاب المجرمين على الحرمان من دخول الجنة، وإن كان يلزم من الحرمان من الجنة دخول النار، وصرّح في عقاب الظالمين بدخول النار.
(وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ)(42-43)
جملة (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) مبتدأٌ، عَطفٌ على قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْها) وهذا من اقتران الوعد بالوعيد؛ لتزداد فرحة المؤمنين، وحسرة المكذبين، وخبر المبتدأ هو قوله (أُولَئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وجملة (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) معترضةٌ بين المبتدأ والخبر؛ لتأكيد أن هذا الجزاء الحسن مقرونٌ بالرحمة بالمؤمنين، فلا يُكلَّفون من الأعمال ما لَا يطيقون؛ لتزداد رغبتهم في العمل الصالح، والوُسْع: القدرة، لا يُكلَّفون إلا ما في قدرتهم وميسورهم، لا ما يَشق عليهم ويُجهدهم، وقوله (أَصْحابُ الْجَنَّةِ) أي أهلها، المقيمون فيها إقامة خلود وصحبة وملازمة (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ) فصدور أهل الجنة سالمةٌ من الغِل والكراهية ومن تَغَيرُ بعضِهم على بعض، فكلهم أصدقاء متحابون، وهذه لذة أخرى في الجنة، وهي لذة المؤانسة والمحبة التي تحصل بين أهلها؛ لصفاء القلوب، فيتمنون ألا تنقضي؛ لراحتهم فيها وسرورهم بها، وذلك مما امتنَّ الله به عليهم، كما قال تعالى: ﴿عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَٰبِلِینَ﴾([4]).
فنزعنا من النَّزْع، وهو قلع الشيء واجتثاثه، واستعمل فيه الماضي نَزَعنا وهو يقع في المستقبل؛ لتحقق وقوعه، حتى كأنه واقعٌ بالفعل، و(مِّنْ غِلٍّ) الغِلّ: الحقد والكراهية التي تحصل في النفس عند الإساءة إليها، و(مِن) تفيد تأكيد نزعِ كلّ غلٍّ مهما كان قليلًا.
وجملة (تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) حالية، أي منازلهم عاليةٌ حالةَ كونهم يُشرفون على أنهار الجنّة، تجري من تحتهم؛ لما تزيده رؤية الماء الجاري من البهجة والغبطة، ولا يملكون إذا رأوْا هذا النعيم إلَّا أن يُثنوا على الله بما هو أهله، لما تفضل به عليهم من الهداية والتوفيق للإيمان، واتباع الرسول، فإنه هو الذي أوصلَهم اللهُ به لهذا النعيم.
فحَمَدُوا الله على الهداية، وقالوا: ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فالفضل له، والخير منه أولًا وآخرًا، يؤكّدون بذلك نفي اهتدائهم لولا توفيقُ الله لهم؛ مبالغةً في شعورهم بالاغتباط والبهجة بما امتن وتفضلَ الله به عليهم، فاللام في (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) لام الجحود، التي تأتي بعد كان لتأكيدِ النفي.
وقولهم (لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) امتنانٌ منهم للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي أرشدهم الله به إلى الحقِّ وعرّفهم إليه، ولإخوانه من المرسلين، ثم إنهم، وهم في هذا السرور، يُناديهم ربّهم بنداء يسمعونه، يُهنئهم بالجنة التي أعطوها وأنها عطية دائمة، ممنوحة ومملوكة لهم؛ بسبب عملهم في الدنيا، وإقبالهم على الإيمان الذي أمرهم به، وتشميرهم، وما أَضْنَوا به أنفسهم، وكَلَّفوها من الأعمال الصالحة التي تُرضي ربهم، فكافأهم الله بما أحسنوا مِن عمل أعظمَ الإحسان، قال تعالى: ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾([5]).
فالجنة التي أورثتموها هي لكم عطيةٌ ومِنحةٌ، ومكافأة على أعمالكم، وإن كانت أعمالكم سببًا لنجاتكم من النار، ودخولكم الجنة، فما أُعطيتموه في الجنة من المنازل، وكل ما اشتهيتموه، هو تفضلٌ، وَصَلَكم سهلًا هنيئًا دون عِوَض، كما يَصل إلى الوارث مالُ مُورِّثه بسهولة ويسر، دون كدٍّ ولا تعَب، فلا تَنافي بين قوله (أُورِثْتُمُوهَا) وقوله (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) فإنهم يجدون من كسبهم وعملهم أكثرَ مما يَتوقعون.
فالمنادِي لهم في قوله (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) هو الله، وأَنْ في (أَنْ تِلْكُمُ) تفسيرية، تُفسِّر ما جاء في هذا النداء، وماذا قال لهم ربّهم فيه، والإشارة إلى الجنة بالبعيد في قوله (تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) وهم بداخلها؛ للتنويه بعُلو رتبتها، وعظيم منزلتها، و(أُورِثْتُمُوهَا) أُعطيتم ما فيها من المُلك الكبير، والنعيم المقيم، مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلب بشر، فضلًا مِن الله ومنّة عليكم.
[1]) فاطر:10.
[2]) المطففين:18.
[3]) المطففين:7.
[4]) الصافات:44.
[5]) الرحمن:60.