المنتخب من صحيح التفسير – الحلقة (377)
بسم الله الرحمن الرحيم
المنتخب من صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
الحلقة (377)
[سورة الأعراف: 80-84]
[الأعراف: 80-84، وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ]
ﵟوَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗا فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَﵞ
جملة (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ) بالنصب عطفٌ على (نُوحًا) في قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) أي: أَرسلنا نوحًا إلى قومه ولوطًا إلى قومِه إذ قال لهم، ونبي الله لوطٌ صلى الله عليه وسلم هو ابن أخِ نبي الله وخليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ومكان دعوته بلدة سَدُوم، واشتهرت بالظلم، وفِي المثل: أَجْور من قاضي سَدُوم، وهي بالأردن، قرب البحر الميت، قَدِم على أهلها لوطٌ وليس منهم، ولذا لم يجئ في ندائه لقومه: إذ قال لهم أخوهم لوط، كما في هود وصالح عليهما الصلاة والسلامُ، بل قال (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) أي أَرسله الله إليهم لينكر عليهم الفاحشةَ التي ابتدعوها في الدنيا، ولم يكن يعرفها أحد قبلَهم، ولم يُذكر أنهم كانوا يعبدون الأصنام، لكنهم كَفَرةٌ قطعا، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا لِّلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱمۡرَأَتَ نُوحࣲ وَٱمۡرَأَتَ لُوطࣲ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَیۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَیۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ یُغۡنِیَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَیۡءࣰا﴾([1])، فلعلَّ كُفرهم كان لاستحلالهم الفاحشة.
و(إِذْ) في قوله (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ) ظرفٌ بمعنى الوقت، أي: أَرسلنا لوطًا وقتَ أن قال لقومه هذا القولَ وحذرَهم من الفاحشةِ، والاستفهام في (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) إنكاريٌّ، والفاحشة: الفِعلة الذميمة، وهي اللِّواط، سُمي فاحشةً لشدة قبحه، وجملة (مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) حاليةٌ من فاعل تأتون، أو من المفعول (الفاحشةَ) أي حالة كونها مبتدأةً منكم، لم يسبقكم بها أحدٌ، تُبين زيادةَ قبح ما أَقدَموا عليه، فهم اتصفُوا بهذه الصفة الذميمة، واتصفوا بوصفٍ آخر أشنع، وهو أنهم أولُ مَن أوجدَها في البَشرية، و(مِنْ) في (مِنْ أَحَدٍ) صلةٌ لتأكيدِ النفي واستغراقِه، و(مِن) في (مِنَ الْعَالَمِينَ) ظرفية، أي: في العالمين.
وقوله (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ) أي تفعلون بالرجال ذلك اللواط لأجل الشهوة، ليس من ورائها إلا الشهوة البهيمية، فهي مَفسدةٌ وشرٌّ محضٌ، وذلك لأنها مِن القاذُورات التي تُحدثُ الأوجاع، وتنقل الأمراض المستعصِية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا)([2])، وقد ظهر الآن أنها مِن أسباب نقل المرضِ القاتل (نَقص المَناعة).
وعلى قراءة (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ) بكسر الهمزة تكون على حذفِ همزة الاستفهام، أي أإنكم، وتفيد إنكارا آخر عليهم بعد الإنكار الأول في (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) وإتيان الرجال كنايةٌ عن فعلة اللواط بالذكور مثلِهِم، و(شَهْوَةً) مفعولٌ لأجله، وقوله (مِن دُونِ النِّسَآءِ) صفةٌ لا مفهوم لها، فهو مُنكر قبيحٌ سواء مع تزوجِ النساء ومع عدمِه، وذكر قيد (مِنْ دُونِ النِّسَاءِ) لزيادة التشنيع عليهم بالميلِ في قضاء شهوتهم إلى القبيح، وترك المليح، وهو الزواج، وبلْ في (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) للإضراب الانتقالي، والإسرافُ: تجاوز الحد في كل شيء بمقتضى المعتاد فيه، والإسراف هنا: تجاوز الحد المباح من الزواج إلى الإثم والحرام.
والضمير المنصوب في (أَخْرِجُوهُم) يعود إلى لوط ومن آمن معه، وضمير الفاعل المرفوع يعود إلى جماعتهم الذين يأتون الفاحشة من أمثالهم، أي قال جماعة منهم للآخرين: أخرجوا لوطاً ومن معه من قريتكم وبلدتكم، و(يَتَطَهَّرُونَ) من الطهارة، وهي نوعان؛ طهارة الظاهر حسية، التي هي النظافة من الأوساخ والقاذورات، وطهارةُ الباطن وهي المعنية هنا، فهي الطهارة من الرذائل والمعاصِي، وهم بذلك يتهكّمون على الذين أنكروا عليهم الفاحشة، يعرضون بأنهم يتكلّفون الطَّهارةَ من الرذائل في زعمِهم، كما يفعل الفُسَّاق في كل وقت بالمصلحين إذا تهكَّمُوا بهم.
وقوله (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم) هو من أسلوبِ الذم بما يشبه المدح، على حدِّ قول عمرو بن معديكرب: تَحِيَّةُ بَيْنِهِم ضرْبٌ وَجِيْعُ، فما ذَكروا شيئًا مما يصلُح أن يكون جوابًا، بل زادوا بما ذكروه من الجواب استجماعَهم للعيوبِ كلها، فلم يلتفتوا إلى الرد على ما وُبِّخوا عليه من إتيان الفاحشة، بل لمْ يستَحُوا أن يطلبوها، وقالوا لنبيهم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِیدُ﴾([3])، فكان جَوابُهم على خلاف المتوقَّع من المذنبِ في الجواب، كأن يعتذر أو يبرر فعله، بل قالوا (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ) لأنهم يتطهرون، فكان جوابُهمْ أبلغَ في ذمهم من سكوتهم، ولعل الذي جرأهم على إخراج نبيهم أنه كان غريبًا، ولم يكن من أنفسِهم.
ثم قدّمَ الكلام على نجاة لوط ومَن معه على هلاكِ قومه، فقال (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) وذلك لتعجيل البِشارة للمؤمنين بإنجاء أهل الحق، ولتثبيت قلوبهم إذا علِمُوا أن العاقبةَ لهم، وأنهم لن يُخذَلوا (وَأَهْلَهُ) هم كلُّ مَن آمن به، وليسَ خصوصَ قرابته، واستُثنيتْ منهم امرأتُه في قوله (إِلاَّ امْرَأَتَهُ) لأنها لم تكن آمنَت، فقد كان ظاهرُها معه، وباطنُها مع قومها على الكفر، فهَلَكت.
وهذا قانون السماء؛ العدل والقسط، فليس لأحد من سبب يُوصله إلا عمله، لا قرابة ولا وجاهةَ ولو كانت قرابةَ أحب الناس إلى الله، وهم الأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ إِنَّ آلَ أَبِي، يَعْنِي فُلاَنًا، لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) ([4])، ونادى صلى الله عليه وسلم يومًا قرابتَه بأسمائهم، وقال: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاس بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا)([5])، فليعتبرْ بذلكَ من يناصر الظالمينَ من أهل قبيلته، مع علمه بإجرامهم، ويقاتلُ دونهم أو يدافع عنهم ليفلتوا من العقابِ.
و(الْغَابِرِينَ) فعله غَبَرَ يدل على معنيين؛ على مَن مضى وهلَك، كما في هذه الآية، فإن امرأته كانت من الهالكين، ويدل على من بَقِيَ وخَلَف بعد الهالكين، كما في حديث الدعاء لأبي سلمة: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ) ([6])، أي الباقين من أهله، فالغابرُ من المشْترَكِ بين المعنى وضده: الهلاك والبقاء.
(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) أمطرنا عليهم مطرًا من نوع عجيبٍ غيرِ معهود، وهو نزولُ الحجارةِ عليهم كالمطرِ، وقد أخبر الله تعالى أنه خسَف بهم الأرض، وجعل عاليَها سافلَها، فقال: ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّیۡحَةُ مُشۡرِقِینَ﴾([7])؛ وقت الشروق، وقال: ﴿فَجَعَلۡنَا عَٰلِیَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَیۡهِمۡ حِجَارَةࣰ مِّن سِجِّیلٍ﴾([8])، حجارة عذابٍ من طينٍ متحجّر، فكلّ ما ذكر من العذاب وقع بهم؛ لفظاعة جرمِهم (وَأَمْطَرْنَا) يُقال: مَطَرَ وأَمْطَرَ بمعنًى، وبعض أهل اللغة يرى أن أكثر استعمال الثلاثي مَطَر في الخير، كالغيثِ ومطَر الرحمة، وأكثر استعمال أمْطَر في مَطَر العَذاب، كما في قوله: ﴿فَأَمۡطِرۡ عَلَیۡنَا حِجَارَةࣰ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ﴾([9])، وكما في قوم لوط، أمطرَهم الله تعالى بالحجارة، رجمتْهم وأهلكتهم، ويمكن أن تكون أَمْطَرَ بمعنى أَرْسَلَ، وعليه؛ فتصلُح لإرسال الخير والشر، لكن لم تأتِ أمطَر في القرآن للخير، وتنكير (مَطَرًا) للتعظيم والتنويع، والأمر في قوله (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) مُوجّه لكل مُخاطَب يتأتى منه النظر، أي انظرْ نظرَ اعتبار واتعاظٍ كيف كانت عاقبة المجرمين المذنبين، عاقبة السوءِ التي آلَ إليها أمرهم.
[1]) التحريم:10.
[2]) ابن ماجه:4019، وهو حسن لغيره.
[3]) هود: 79.
[4]) مسلم: 215.
[5]) مسلم: 206.
[6]) مسلم: 920.
[7]) الحجر: 73.
[8]) الحجر: 74.
[9]) الأنفال:32.