المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (378)
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
الحلقة (378)
[سورة الأعراف: 85-87]
(وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ)(85)
قوله (وَإِلَى مَدْيَنَ) عطفٌ على قوله (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) من عطف القصة على القصة، وتقدّم تفسير صدر الآية في نظيرتها (وَإِلَى ثَمُودَ)، والتقدير: وإلى مدين أرسلنا أخاهم شعيبًا، ومَدْيَنُ هو ابن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، وإليه نسبت القبيلة، وبلدتهم تسمى الأيكة، قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡءَیۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِینَ إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَیۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾([1])، وهي من ناحية تبوك إلى جهة الشام، ونبي الله شعيب صلى الله عليه وسلم منهم، من أنفُسهم، أرسله الله تعالى إليهم، وكان لحسن مراجعته لقومه، يقال عنه خطيب الأنبياء([2])، وعندما خرج موسى صلى الله عليه وسلم مِن مصر، تَوجه إلى مدين، وزَوَّجه شعيبٌ صلى الله عليه وسلم ابنتَه.
والبينةُ في (قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) الحُجة والمعجزة الخارقة للعادة، التي جاءهم بها، دالةٌ على صدقه، فما من نبي أرسله الله إلا وأَيَّده بمعجزة، ولم يَذكر القرآنُ لنا معجزةَ شعيب صلى الله عليه وسلم.
و(فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ) بالآلةِ التي يكون بها الكَيل، وهي المِكْيال، بدليل قوله (والْمِيزَانَ) فالمأمور به توفية المكيال والميزان، والتَّوفية معناها عدم التطفيف؛ بأن يُعطى المتعاقد حقّه الذي تعاقد عليه، من الوزن أو الكَيل، وليس وفاء الكيل معناه الزيادة على الحق، فذلك إحسان، والأمر بتوفية الكيل والوزن؛ لحفظ حق المشتري للسلعة، الذي قد يُخدع من البائع بالتطفيف دون أن يشعر.
ولما كان للبائع كذلك حقٌّ أَتبعَه بقوله (وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) والبَخْس: التنقيص من الحقّ، والهضم من قيمة السلعة؛ بأن يتعمّد المشتري مساومتها بأقل من قيمتها في السوق، بقَدْرٍ بَيِّنٍ لا التباس فيه؛ بحيث يَغبِنُ، صاحبَها، ويجعله ييْأس من أن يَطلب فيها قيمتَها؛ فيجدُ نفسه آخر الأمر يبيعها لمن بخَسَه الثمن ابتداءً على مَضَض، والبيع على هذه الصورة هو كبيع النَّجْش، من أكل أموال الناس بالباطل، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهيُ عنه، قال صلى الله عليه وسلم: (وَلَا تَنَاجَشُواْ)([3])، والنجْشُ المنهي عنه في الحديث، هو أَن يزيدَ الرجلُ فِي ثمنِ السِّلعة، وَهُوَ لَا يرُيدُ شِرَاءَهَا، وَلَكِن لِيَسْمَعَهُ غيرُه، فيزيدَ بِزِيَادَتِهِ.
(وَلَا تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) لا تُفسدوها بالكُفر والمعاصي، وبالظُّلم، وببخس الناس أشياءهم، وتطفيف حقوقهم، وبالجَوْر في الحكم، والبغي عليهم، وإخافتهم، وسلب أموالهم، وإعانة أعدائهم من غير المسلمين عليهم، بعد أن أَصلحها الله بالتوحيد والإيمان، وبعثة الرسل، وإنزال الشريعة، وبيان الأحكام بالعدل والقسطاس، وآخرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والإشارة بـ(ذَلِكُمْ خير لكم) إلى كل ما ذكر، مِن أمرهم بعبادة الله وحده، والأمر بالوفاء بالكيل والوزن، والنهي عن بخس الحقوق، وعن الفساد، ذلكم كله يُحقق لكم الخير والنفع في الدنيا والآخرة.
والخطاب في (خَيْرٌ لَّكُمْ) مُوجَّهٌ للفريقين؛ لمن آمَن معه، ومن لم يُؤْمِن.
وقوله (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) شرطٌ جوابه محذوف؛ إن كُنتُم مؤمنين فافعلوا ما أُمرتم به، ورُبط الوفاء بالكيل، وما عُطف عليه بالإيمان، رَبط الشرط بالمشروط؛ حَملًا لهم على الامتثال، وللإشعار بأن أعمال الإصلاح في الأرض، وإعطاءَ الناسِ حقوقهم من الإيمان.
(وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ)(86-87)
(وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ) لا تَترصَّدُوا للناس، تُخوِّفُونهم، وتَمنعونهم من الدِّين الحق، ومن الطريق الموصِلة إلى الإيمان بالله، فتَفعلوا معهم فعل الشياطين في الصد عن سبيل الله، تمنعون مَن يريد الإيمانَ بالشُّبه والتلبيس، وتَقعدون لهم كلَّ مرصد، فكان قوم شعيب يجلسونَ على الطرقات، يَمنعون الناسَ من الوصول إلى شعيب صلى الله عليه وسلم، ويُحذرونهم منه ومن الدين الذي جاء به، ويقولون عنه ساحرٌ؛ مخافةَ أن يؤمنَ به الناسُ، طالبين بذلك للسبيل الموصلة إلى الحق التي يدعوهم إليها شعيب اعوجاجًا وإفساداً، بالتلبيس ومنعِ الناسِ منها.
فـ(تَبغُونَها) من الْبَغْي، وهو الطَّلَب، وضمير المفعول في (تبغونها) وهو الهاء للسبيل، فهي تُؤنَث وتُذكَّر، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِ سَبِیلِیۤ﴾([4])، و(عِوَجًا) مصدرٌ مؤوّل بالمشتق في موضع الحال، فأنتم تبغون السبيل حالة كونها معوجةً، وفعل عَوِج كفَرِح، والمصدر العَوَج كالفَرَح، تُوصف به المحسوسات، كالرمح والعصا، والعِوج ـ بالكسر ـ للمعاني؛ كالطَّريقة والشَّريعة.
والخطاب في قوله (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ) للكفرة من قوم شعيب صلى الله عليه وسلم، يُذكرهم الله تعالى بنعمته عليهم وقتَ أن كانوا جماعاتٍ قليلةً ضعافًا، لا يُؤبَه لهم، فكَثَّرهم، وصاروا أمةً ذات مَنَعَة وهَيبة، فهَيَّأَ لهم أسباب التكاثر، ومَهَّد لهم أسبابَ القوة، وأَمَرَهم بالنَّظر والتأمل؛ ليتذكروا ما كانوا عليه من القلة والضعف، وما صاروا إليهِ بعد ذلك مِن القوة والكَثرة، وأمرُهم بالنظر في عاقبة المفسدين يَتضمنُ تحذيرهم من كفران النعمة، واتباعِ سبيل المفسدين، الذين عاقبهم الله تعالى بالاستئصال، فعليهم أن يعلموا أن الله حين امتنَّ عليهم فكَثَّرهم، عاقبَ آخرين فاستأصَلهم؛ لفسادِهم وظلمهم.
فـ(إِذْ) في قوله (إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا) ظرفٌ بمعنى وقتَ وزمانَ، منصوبٌ على المفعولية، وقليلٌ مثل كثيرٍ، يُخبَر به عن الجمع والمفرد، والمذكر والمؤنث، ولذا قال (كُنتُمْ قَلِيلًا).
والخطاب في (وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ) للفريقين؛ مَن آمن بشعيب، ومَن لم يؤمن، يَتضمن وعدًا بحسن العاقبة لمن آمن، ووعيدًا بسوء الحال لمن كَفر، ولذا قال للفريقين (فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ).
وهذا خطابٌ للفريقين، وهو مثل ما في الآية الأخرى: ﴿فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾([5])، و(حَتَّى) في قوله (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا) للغاية، فالصَّبْر يَنتهي إلى غايةٍ، وهي حكم الله العَدل، الذي لا يَظلم مثقال ذرة، وليس فيه خطأٌ، ولا له مُعَقِّبٌ.
والطَّائِفَة: الجماعةُ الكثيرة، فطائفةٌ من قومه آمنوا بالدِّين الذي أُرسل به، وطائفةٌ منهم بَقُوا على كفرِهم.
(وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) فلا يشاركه ـ سبحانه ـ أَحدٌ في صفةِ كمالِ حُكمه، فالتفضيل في (خَيْرُ) ليس على بابه.
ومثل هذا القول من الأنبياء لمخالفيهم في قوله (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ ءَامَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا) هو مِن باب التَّنزُلِ والإنصافِ للمخالف، وإلّا فالأنبياءُ على يقينٍ بما يَؤولُ إليه الانتظارُ والصبر، مِن فوزهم وخُسرانِ أعدائِهم.
[1]) الشعراء: 176 ـ 177.
[2]) تفسير ابن أبي حاتم: 8726، 15925.
[3]) الموطأ، كتاب البيوع: 2702.
[4]) يوسف:108.
[5]) السجدة:30.