طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (383)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

الحلقة (383)

[سورة الأعراف: 103-116]

(‌ثُمَّ ‌بَعَثۡنَا ‌مِنۢ ‌بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَالَ إِن كُنتَ جِئۡتَ بِـَٔايَةٖ فَأۡتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ)(103-116)

ثُمَّ بَعَثْنَا موسى صلى الله عليه وسلم مِن بَعْدِ القرى الماضية، التي قَصَّ علينا القرآنُ من أنبائها، وآخرُهم قومُ شعيب صلى الله عليه وسلم، أَرسلَ الله مِن بعدهم موسى عليه السلامُ، مصحوبًا بالبينات والمعجزات، وقد ذكر الله المعجزاتِ والآيات فيما بعد، حين قال له فرعون (فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ) فالضمير في (مِن بَعْدِهِم) يعود إلى أهل القرى الماضية، والباء في (بِآيَاتِنَا) للمصاحبة.

وذكرت الآية أن الله أرسلَ موسى إلى فرعون وملئه، وموسى عليه السلام هو في الحقيقة مُرسَلٌ إلى بني إسرائيل، لكن لمَّا كان بنو إسرائيل في قبضة فرعون، الذي كان يحكمُ الأقباط في مصر، وبلغ به الإفراط في الطغيان واستعبادهم وتعذيبهم مبلغًا عظيمًا، إلى أن قال لهم: ليس لكم من إله غيري – لمّا كان الأمر كذلك؛ بدأ موسى عليه السلام في دعوته إلى التوحيد بفرعونَ وملئِه؛ لِيخَلُّوا بينه وبينَ بني إسرائيل، ولذا قال له بعد أن دعاهُ إلى الإيمان: ﴿فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ﴾([1])، وأيضًا بدأ في دعوته بفرعون؛ لأنّ الناسَ على دينِ ملوكهم.

وفرعون معناه المَلِك، وهو لقبٌ لكل مَن مَلك مصر في ذلك الوقت، مثل كسرى لمن مَلك الفرس، وقيصر لمن مَلك الروم، ومَلؤه: حاشيتُه ووزراؤُه وجندُه.

(فَظَلَمُواْ بِهَا) فكفروا بالمعجزاتِ التي أظهرَها لهم موسَى صلى الله عليه وسلم، فـ(ظَلمُوا) بمعنى كفَروا وكذّبوا، ولذلك عُديتْ بالباء، وأصل الفعل ظَلَم أن يتعدَّى بنفسه (فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ) فتأمّل واعتبرْ أيها الناظر في أحوالهم؛ كيف كانت عاقبتهم بالهلاكِ، وهي عاقبة كل المفسدين، والخطاب في قوله (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل مَن يتأتى له النظر.

والنظرُ المأمور به نظرُ تعجّب من جوابِ فرعون وملئه لموسى عليه السلام بالرفض والاستكبار، ونظرُ عبرةٍ وتأملٍ فيما آلَ إليه أمرُهم، وكيف كانت عاقبتهم، كانت العاقبة كما في الآية الأخرى: ﴿وَأَنجَیۡنَا ‌مُوسَىٰ ‌وَمَن ‌مَّعَهُۥۤ ‌أَجۡمَعِینَ ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡءَاخَرِینَ﴾([2]).

(وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) دخل موسى عليه السلام على ملإ فرعون وحاشيته ووزرائه، وخاطبه بلقب الملك: يا فرعون، فكأنه قال له يأيها الملِك ولم يخاطبه باسمه المجرّد؛ تأليفًا له؛ لأنه في بداية دعوته إلى الإيمان، حتى لا ينفُرَ، كما قال له ربّه ولأخيه هارون: ﴿فَقُولَا لَهُ ‌قَوۡلࣰا ‌لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ﴾([3])، قال موسى لفرعون: إني مرسَلٌ إليك من ربّ العالمين، أدعوك لتؤمن به وتعبده، فإنّه رب العالمين جميعًا، كلهم عبيدٌ له، بما فيهم أنت وحاشيتك.

فهذا القول ـ لا شك ـ أثارَ غضب فرعونَ وهيّجه، وكان قد قال للملأ: ما علمتُ لكم من إله غيري.

ثم أردفَ موسى كلامه بما يؤكدُ صدق دعوته، فقال (حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ) جديرٌ، أو واجبٌ ومتعينٌ عليّ عدم قولي على الله غير الحقّ، فلا أقول إلّا الحقَّ، ولا أخافُ فيه لومَة لائم.

فـ(حقيقٌ) صفةٌ مشبهةٌ من حَقَّ، بمعنى وَجَب، و(على أن لا أقول) قُرئت (على) بدخول حرف الجر على (أَن لاَّ أَقُولَ) فيكون (حقيق) بمعنى جدير، وتكون على بمعنى الباء، وفاعل الصفة المشبهة (حقيق) ضمير المتكلم موسى، فجديرٌ أنَا بقول الحقّ ولَا أقول غيره، ويصح أن تكون (على) بمعناها الأصلي في الاستعلاء والتمكن، و(حقيقٌ) على هذا الاعتبار فعيل بمعنى مفعول، ويكون المعنى: قول الحق مُثْبَتٌ ومقضيٌّ أن أكونَ أنا الذي أقوله، وقرئت (عليّ) بدخول حرف الجر على ياء المتكلم، فتكون (حقيق) فعيل بمعنى فاعل، ويكون الفاعل للصفة المشبهة حقيق هو المصدر المؤول من (أَن لاَّ أَقُولَ) أي: واجب عليَّ قولُ الحقّ.

وأنا في ذلك جئتكم مصحوبًا بالأدلة الدالة على صدق ما جئتُ به، ومصدر هذه الحجج من ربّكم، وهذا هو التحدي الآخر الذي أفقَدَ فرعون صوابَه، لأن قوله (مِن رَّبِّكُمْ) معناه: أن فرعون مربوب، مسلوبة منه الربوبية، لا كما يزعُم أنه ليس لهم إلهٌ غيره.

فالباء في (بِبَيِّنَةٍ مِن رَّبِّكُمْ) للملابسة، والبيّنةُ: الحجّة والدليل، و(مِن) في قوله (مِن رَّبِّكُمْ) للابتدَاء.

والفاء في (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ) للفصيحةِ، أفصحت عن كلامٍ مقدرٍ، فما دمتَ أنت وبنو إسرائيل سواء، كلكم عبيد لربّ العالمين، وجئتكم بالمعجزة الدالة على ذلك، فأرسل بني إسرائيل واتركهم لي، وخَلِّ بيني وبينهم لأدعُوَهُم إلى الإيمان.

فردَّ فرعونُ على التحدي بتحدٍّ مثله، وطلب المعجزةَ فقال (إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا) ظن فرعون ـ لعدم إظهار موسى المعجزةَ من أول الأمر ـ أنه غير قادر عليها، ولذلك قالَ متحديًا (إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) إن كنت صادقًا فأتِ بها، فجواب الشرط (إِن كُنتَ) مقدّرٌ.

(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبانٌ مُّبِينٌ) رمى موسى عصاه بين فرعون وملئه، فتحولت حيّةً عظيمة، لم يَعهَدُوا مثلها في فعل السحرة، ولذا قالوا: ساحرٌ عليمٌ.

(وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ) وهو معنى ما في الآية الأخرى: ﴿وَأَدۡخِلۡ یَدَكَ فِی جَیۡبِكَ ‌تَخۡرُجۡ ‌بَیۡضَاۤءَ مِنۡ غَیۡرِ سُوۤءࣲﱸ ([4])، والجَيب: فتحة رقبة القميص، فنزع يده من تحت قميصه مِن جهة صدره، وفي الآية الأخرى: ﴿وَٱضۡمُمۡ یَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ ‌تَخۡرُجۡ ‌بَیۡضَاۤءَ مِنۡ غَیۡرِ سُوۤءﱸ ([5])، أي أخرجَها من تحتِ عضُده: إبْطه، ولا تعارضَ، فمجموع الآيات تفيد أنه أدخل يدهُ في جيبه من فتحة رقبة القميص، إلى أن بلغت تحت العَضُد والإبْط، ثم نزعها من الجيب وفتحةِ القميص.

و(إِذَا) في قوله (فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ) للمفاجأة؛ فاجأهم عند إخراجها بتحول لونها بيضاء بياض النور من غير سوء ولا علّةِ برص ونحوه، و(لِلنَّاظِرِينَ) خرجت في بَياضٍ يَتلألأ يُعجبُ الناظرين، لا بياض عاهةٍ وآفَة، ولذلك جاء في الآية الأخرى الاحتراس من بَياض السوء، فقال: ﴿وَأَدۡخِلۡ یَدَكَ فِی جَیۡبِكَ ‌تَخۡرُجۡ ‌بَیۡضَاۤءَ مِنۡ غَیۡرِ سُوۤءࣲ﴾.

فظهرَ بذلك لفرعون ما لم يكن في الحِسبان، كانت المعجزة لفرعون مفاجأة، وكان ظهورها له حين طلبها، وهو غير متوقعٍ لها، أبلغَ وقعًا عليه، ولذلك لما رآها أُسْقِطَ في يدِه، وأَخرسَت لسانه، فلم يُسعفه الجواب، وشعَر الملأُ بذلك منه، فلم يجدوا ما يخففونَ به عنه إلَّا قولهم (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) قالوا: هذا ساحرٌ عليمٌ بالسحر.

وأَسند القول هنا للملأ، وفي سورة الشعراء: ﴿قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُ إِنَّ هَٰذَا ‌لَسَٰحِرٌ ‌عَلِیمࣱ﴾([6])، فأسند القول إلى فرعون، ويمكنُ أن يكون القول صدر أولًا من فرعون، ثم ردّده الملأ بعدهُ، على عادة الحاشية والأتباع، يتلقَّفون ما قاله الملِك، ويكررونه، ويزيدون عليه ما لم يقلْهُ أو يخطر ببالهِ، بما يَعرِفُونَ أنه يُرضيه ويُحبه تزلفًا واستجداءً لرضاه عنهم، ولذلكَ أضافوا عليه التحريضَ على موسى بقولهم (يُرِيدُ أَنْ يُّخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم) يريد بسبب سحره أن يُشهرَ أمر دعوته، فيتبعَه الناس، وينفضُّوا عن فرعون، فلا يبقى له مُلكٌ ولا تمكينٌ في هذه البلاد.

وقوله (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) يمكن أن يكونَ من تتمةِ خطابِ الملأ لفرعون على وجه التعظيم، ويمكنُ أن يكونَ من فرعون للحاشية، فبعد أن استشارهم قال لهم: ما الذي تشيرون به، وعادة ما يكون مستشارو الملوك من دهاقنة السياسة، ممن لهم تجرِبَة وحِنْكة في التعامل مع الأحداثِ التي تؤثر على استقرار المُلك.

وكان فرعون قد توعدَ موسى أول الأمر بالسِّجن، كما قال تعالى في الشعراء: ﴿قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَیۡرِی لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِینَ﴾ ([7])، فلم يخترِ الملأُ ذلك؛ لأن سِجْنَه قد يؤدّي إلى إقناع الناس بدعوة موسى ﷺ، وانتشارها، وإضعافِ حجة فرعون، ولذا أشاروا عليه بقولهم (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ) قالوا له: أَرْجِئْهُ، وقُرئ بها، أي أَخِّرْ أمره وأمر أخيه، وتريثْ فيه، ولا تتسرعْ في عقابه، وذِكر أخيه هارون عليه السلامُ جرى هنا لأولِ مرة، وقد ذُكر معه في سورة طه، عندما أمره الله بالذهاب إلى فرعون: ﴿ٱذۡهَبۡ أَنتَ ‌وَأَخُوكَ بِءَایَٰتِی﴾ ([8]).

والمدائنُ في قوله (وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ) جمعُ مَدينة، و(حاشِرين) من الحَشر، وهو الجَمع، فقال الملأ لفرعون: أَرسلْ رُسُلًا تختارهم إلى المدن والقرى، ممن لهم معرفة بالسحرة، يَجمعون لك كبارَهم، فيأتونك بكل ساحر عليم بالسحر، ضالعٍ فيه، مشهورٍ به، و(كل) في (بِكُلِّ سَاحِرٍ) مستعمل في الكثرة الكاثرة منهم؛ ليضمنوا بكثرتهم غلبتَهم عليه، ويظهر عجزُ موسى عليه السلام على مرأى ومسْمعٍ من الناس، قالوا له ذلك ليموتَ عند غلبته ذكره، ويُنسى خبره، وليأمن فرعون على ملكه منه.

وقد طُويت هنا بعض أحداث القصّة، وذُكرت في مواضع أخرى من القرآن، فإنّهم لمّا أمروا بجمع السحرة، ضربُوا لهم وللنّاس موعدًا: ﴿‌فَجُمِعَ ‌ٱلسَّحَرَةُ لِمِیقَٰتِ یَوۡمࣲ مَّعۡلُومࣲ﴾([9])، يجتمع فيه النّاس في مكان واحد، يَحضُرهُ فرعون وملؤه، في مَهرَجانٍ كبير، سَمَّوه يومَ الزينة: ﴿قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ ‌یَوۡمُ ‌ٱلزِّینَةِ وَأَن یُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحࣰى﴾ ([10])، وشَوَّقوا الناسَ لانتظار هذا اليَوم، وقالوا: ﴿لَعَلَّنَا ‌نَتَّبِعُ ‌ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِینَ﴾ ([11]).

فجاءَ السحرة في الموعد الذي جمعَهم فيه، وقالوا لفرعون (إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) سأل السحرة فرعون: هل ستعطينا الأجور العظيمة إن كنا نحنُ الغالبين؟ فقال: نعَم سأعطيكم، ومَنَّاهم زيادةً على ذلك بما هو خيرٌ من الأجور، وهو الرِّضى عنهم، وأن يكونُوا من حاشيته المقربين.

وقوله (إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا) قُرئ (أإن) بهمزة الاستفهام، وبدونها مقدرة في الكلام، وتنكير (أَجْرًا) للتكثير.

فلما اجتمع السحرة مع موسى على مرأى من الناس وتجمّعٍ في حفلٍ كبيرٍ (قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) أعرَب السحرة بذلك عن ثقتهم البالغة بأنفسهم في الغلَبة، ولذلك خَيَّروا موسى عليه السلام؛ اخترْ أن تبدأ أنت أولًا أو نبدأَ نحن أوّلًا؛ لأن القَويَّ في المباراة هو الذي يُخيِّر مُنازِلَه، واستعمَلوا في ذلك ضمير العظمة (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) مُشعرين بأنّ تفَوُّقَهم عليه مفْروغٌ منه، حسَب زعمهم، لكن بقدر إعجابهم بأنفسهم وتخيُّلِهم لعلوِّ شأنهم في هذا المحْفَل، كان سقوطهم عندما أَلقى موسَى عصاه، وظهر الحقّ.

فالمصدر المنسبِكُ من أَن والفعل في (أَن تُلْقِيَ) منصوبٌ بفعلٍ محذوف، فاختر إلقاءك عصاك أوّلاً أو إلْقاءَنا.

أرادوا -بتخييره- استضعافَه، فـ(قَالَ أَلْقُواْ) فقلب عليهم الأمر وأمرهم أن يُلقوا هم أوّلًا؛ استخفافًا بهم، وليكون ظهوره عليهم بعد ذلك، وتَلقُّفُ عصاه لما يَأفِكُون أَبلَغَ وقْعًا، فنزلت المعجزة عليهم نزول الصاعقة، عندما ألقَوا حبالهم وعِصيّهم وسحَروا أعين النّاس.

حين ألقى السحرةُ حبالهم أرهبوا الحاضرين، وأفزعُوهم بالصياح والتحذير والتخويف من الاقتراب من حبالهم وحيّاتهم؛ وهو معنى (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) لأنّه خُيّل للناظرينَ أنها ثعابين وحيّات، فالسين والتاء في (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) للمبالغة، وأسْنِدَ سِحرُهم إلى الأعين في قوله (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) لأنّه سحر لا حقيقةُ له، بل مجرّد تخيلات تتهيأ للأعين؛ قال تعالى: ﴿‌یُخَیَّلُ إِلَیۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ﴾ ([12]).

واستعظم النّاس ما رأوه من حبالهم وعصيهم بحسب ما اعتادُوه من السحر؛ لأنّهم جمعوا فيه كبارَ السحرة، من كل أنحاء مصر، ولشدّة الرهبة التي أحدثوها في الحاضرين بالصياح، والتخويف من سحرهم، أَخبر القرآن أنه وقع في نفس موسى عليه السلام شيءٌ من الخوف والرهبة، ولكنّ الله ثَبَّته، قال تعالى: ﴿فَأَوۡجَسَ فِی نَفۡسِهِ ‌خِیفَةࣰ ‌مُّوسَىٰ قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَأَلۡقِ مَا فِی یَمِینِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوۤا۟ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَیۡدُ سَٰحِرࣲ وَلَا یُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَیۡثُ أَتَىٰ﴾ ([13]).

 

[1])         طه: 47.

[2])         الشعراء:65، 66.

[3])         طه:44.

[4])         النمل: 12.

[5])         طه: 22.

[6])         الشعراء: 34.

[7])         الشعراء: 29.

[8])         طه: 42.

[9])         الشعراء: 38.

[10])       طه: 59.

[11])       الشعراء: 38.

[12])       طه: 66.

[13])       طه: 67-69.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق