طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (384)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (384)

[سورة الأعراف: 117-126]

(وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ)(117-126)

بعد أن أَلقى السحرةُ حبالهم وعِصيهم، وكانوا أَعدّوا لذلك اليوم عُدّته، وحشدوا فيه كلّ أدواتهم السحرية بأعداد كبيرة؛ لإرهابِ الناس، وملأت عِصيُّهم وحبالهم الغليظةُ الوادي، وصار الناس يرونَ تراكبَ بعضها على بعض، حينها أوحى اللهُ إلى نبيّه موسى صلى الله عليه وسلم: أَنْ أَلْقِ عصاك؛ فألقاها، فتحولتْ ثعبانًا عظيمًا، فالتقم كلَّ حَيَّاتهم وحبالهم، وابتلَعها فاغرًا فَاه، فكان ثعبانًا حقيقيًّا، وليس تخيّلًا كعِصيّهم، وهو معنى قوله (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ).

فالفاء في (فَإِذَا) للفصيحة، تدلُّ على كلام مُقدَّر، فألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون، و(إِذَا) للمفاجأة، و(تَلْقَفُ) تبتلع، و(مَا يَأْفِكُونَ) من أفَكَ يَأْفِك كضرَب، والمصدر الأَفْك بفتح وسكونٍ، والاسم الإِفْك بالكسر، ويأتي من أفِك يأفَكُ من باب علِمَ، أَفَكًا بفتحتين، وإفْكًا بالكسر والسكون، وأصل معناه: القلب؛ لأنّ الإفكَ كلامٌ مقلوب؛ لذا سمي به الكَذب، وشاعَ حتى صار حقيقة فيه، بلْ هو أفْجرُ الكَذب.

وقوله (فَوَقَعَ الْحَقُّ) ثبَت وظهر، وصار أمرًا واقعًا محسوسًا، انبهر الحاضرون وأُخذوا به، واضمحل وذهب في لحظة باطلُ السَّحَرة الذي جَنّدوا له جنودهم، وأَعدوا له عُدتهم، فالذي ذهبَ ليس السحر فقط، بل تلاشَى كل ما كانوا يعملونَه ويُؤمّلونه مِن ظهور أمرِ فرعونَ على موسى صلى الله عليه وسلم، ولِذا قال (بَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ولم يقل: بَطَل سِحرُهم.

(فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ) فعَلِم السحرة مِن أنفسهم أنهم غُلِبوا، لا بإخبار حَكَم تحاكمُوا إليه، بل من عندِ أنفسِهم وما هم عليه من خُبرٍ ومِراسٍ، فهم عالمونَ بالسحر وألاعيبِه، كبارُه ورؤوسُه في أرضهم دون منازِع، فلا يلتبسُ عليهم بحالٍ ما هو تخيّلٌ وزيف كعملهم، وما هو حق ومعجزة كالذي رأَوه من موسى، ولوضوح ذلك لديهم ويقينهم به، لم يحتاجوا إلى وقت وتأمّل ولا إلى تشاور، أو يحصل بينهم اختلاف، بل حصل منهم على التوِّ إجماعٌ على الإذعان للحق، وانبِهارٌ به، فلم يتمالَكوا معه أنفسهم، وخَرُّوا لله ساجدينَ، معلِنينَ إيمانَهم، وتخليَهم عن الكفر وأهله، دون أن يحسِبوا حسابًا لما يصيبهم بسببِه، وقالوا لفرعونَ عندما توعدَهم بالتقطيعِ والصَّلْب: ﴿‌لَن ‌نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاۤءَنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَٰتِ وَٱلَّذِی فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَاۤ أَنتَ قَاضٍ﴾([1]).

وهكذا الشأنُ في المؤمن إذا أبصَرَ الحقّ وظهرَ له، أنْ يرجعَ إليه، ويَحمَدَ الله عليه، ولا يعاندَ ولا يكابِر، ولا يبالي بأحد يمنعه منه أو يتوعدُه عليه، وأكثرُ ما كفر به أهلُ الأرض المكابرةُ والعناد، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمۡ ‌لَا ‌یُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِینَ بِءَایَٰتِ ٱللَّهِ یَجۡحَدُونَ﴾([2]).

وانقلبَ فرعونُ وقومه على رؤوسِ الأشهاد صاغرينَ أذلاءَ منهزمين.

فقوله (هُنَالِكَ) اسمُ إشارة، يُشار بها إلى المكان، فغُلبوا هنالك في المكان الذي اجتمعوا فيه وبطَلَ فيه سحرهم، وضمير (غُلِبُوا) يعودُ على فرعون وقومِه.

و(انقَلَبُواْ) صاروا، و(صَاغِرِينَ) منصوبٌ على الحال، من الصَّغار: وهو الذلّة والهوان.

(وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِين) حينها أَدرك السحرة على الفور، بأن موسى صلى الله عليه وسلم مؤيَّدٌ من عند الله، وأن ما أَتى به معجزة، فلم يسعْهم إلّا الخضوعُ والاستسلام، فأَلقَوا أنفسهم على الأرض، ساجدينَ لله، معترفينَ بربوبيته، وأعلنوا على الملأ إيمانَهم، ولم يحسِبوا حِسابًا لغضبِ فرعون، فقالوا (آمنا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) لأنّ هذا هو بعينِه الذي قاله موسى لفرعون: إني رسولٌ من رب العالمين، ولعلهم قالوا ذلكَ لأنّهم لم يعْرِفوا لفظ اسم الجلالة العَلَم: الله، الذي خاطبَ الله به موسى في الطور، بقوله: ﴿إِنَّنِیۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّاۤ ‌أَنَا۠ ‌فَٱعۡبُدۡنِی﴾ ([3])، وقولُه (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) بدلٌ مِن ربّ العالمينَ، وأضافوا هذا البدلَ حتى لا ينصرفَ ذهن الحاضرين إلى ربوبية فرعون، الذي كان يقولُ لهم: أنا ربكم الأعلى، فدفعوا هذا التوهّم بقولهم: ربِّ موسي وهارون.

غضِبَ فرعونُ غضبًا شديدا، وقال: أتؤمنون بموسى قبل أن تستأذنوا مني؟ ومعلومٌ أنه لا يأذَن، ولكن ليشعرهم في ذلك الموقف أن الكلمةَ لا تزال له، فقال مهددًا: ستعلمون ما أفعلُ بكم.

فالاستفهامُ في قوله (ءَامَنتُم بِهِ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡ) للإنكار والتوعّد.

ثم قال لهم: ما فعلتموه تحايلٌ وتآمر على أهل المدينة، ومكرٌ بهم (إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي المَدِينَةِ) فتَظاهرَ لهم بالخوف على بلدهم ومدينتهم، لا على مُلكه، كما يفعلُ كلُّ الطغاة والظلَمة، إذا قام فيهم المصلحونَ ليرفعوا الظلم عن الناس، قالوا؛ لأجل أن يؤلبُوا الناسَ على المصلحين: هذه فتنةٌ ومخطَّطٌ للإضرار بالأمن العامّ، وانقلاب على الحكّام وولاةِ الأمر، وأَنزَلوا بطشَهم بمَن خالفهم أو ناصحهم، زاعمين أن ذلكَ من باب الخوف على البلدِ من الفتنة، لا على أنفسهم وعروشهم، وكذلك فرعون، تظاهرَ بخوفه من مكرهم بأهل مصر، وأنهم دَبروا لهم مكيدة؛ لِيَنفُوهُم ويخرجُوهم من ديارهم، وأن مَن آمن مِن السحرة يُعينون موسى ليأخذَ معه بني إسرائيل ويخرجَهم مِن أرضهم، هكذا صوّر فرعونُ لهم الأمرَ، وقال لهم (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) قال لهم يتوعدهم: سوف تعلمون ما ينزل بكم، فحُذف مفعول (تَعْلَمُونَ) للتهويل والتخويف، ولتذهبَ النفس في توقعِه كل مذهب.

ثم أَفصحَ عن العذاب الذي هدّدَهم به، فقال (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ) وهي عقوبة المحاربين وقطاع الطرق، والقطعُ من خلاف هو قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، والعَكس.

(ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) بعد أن يقطّعهم، يشدُّهم مربوطين على خشبة، وهو الصَّلْب؛ ليراهم الناس على تلك الصورة المُرهِبَة، ويكونوا نَكالًا لغيرهم وعِبرةً، فلا يفعلُ أحدٌ فعلَهم، ولم يذكر القرآن ما يدلّ على أن فرعونَ نفذَ فيهم ما توعدَهم به.

ثم هم لم يكترثُوا بتهديد فرعون أن يقطَعَهم ويصْلُبهم، مع علمهم ببطشِه وجبروته؛ لأن بشاشةَ الإيمان خالطَت قلوبهم، وحصَل لهم يقين الإيمانِ بالغيب، وأنهم منقلبونَ إلى الله صائرونَ إليه، وإلى ما وعد الله به المؤمنين، فقالوا (إِنَّا إِلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ) راجعونَ له، وصائرونَ إليه، فمرضاتُه يهون دونها كلّ ألم، فاصنع ما بدَا لك.

وقالوا لفرعونَ (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا) الذي عِبته علينا وتَنقِمُه منّا، هو أعظمُ محاسننا، وأعلى مناقبِنا، وأصل كلّ خير للناس جميعًا، فلا يستوجب الإنكارَ والكره، وإنما يستوجب الرضى والمدح، فأنت ما تنقِم منّا إلا إيماننا بربنا، بعد أن جاءتنا آياته، وظهرتْ لنا المعجزة بصدق نبيّه، ورأيناها رأيَ العين، فإن كان فينا عيبٌ ونِقمة فهو الإيمان، ففي قوله (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا) تأكيد المدح بما يشبه الذمّ، على حدّ قول النابغة:

ولا عيبَ فِيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم *** بِهنّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائبِ

فـ(تنقِم) تَعيب وتَكره، و(إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا) أَن والفعل في تأويل مصدرٍ مفعولُ تنقِم، فما تنقيم منا إلا إيمانَنَا، و(بِآيَاتِ رَبِّنَا) المعجزات التي جاء بها موسى صلى الله عليه وسلم.

(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) تَركُوا فرعون وشأنه، واتجهوا إلى الله تعالى بالدعاء أن يُثبتَهم على الإسلام، ويُعينَهم على دفع ما توعدَهم به فرعونُ من العذاب، فـ(أَفْرِغْ عَلينا صبراً) من الإفْراغ، أصله صبّ الماء على الشيء، وانهمارُه عليه حتى يَغمُرَه، فأعطِنا صبرًا واسعًا فائضًا يَغمُرُنا، وأَكملْه علينا، فلا نبالي معه بما يصيبنا مهما اشتدّ، وأن تتوفانَا مسلمين، فنلقاك وترضَى عنَّا.

[1])         طه: 72.

[2])         الأنعام: 33.

[3])         طه: 14.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق