المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (385)
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
الحلقة (385)
[سورة الأعراف: 127-131]
(وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ)(127-129)
بعد أن أظهر من آمنوا بموسى من السحرة جميعًا عدمَ مبالاتهم بتوعّد فرعون، وتوجهوا إلى الله أن يُثبتهم على الإسلام، ازدادَ فرعون وملؤُه نقمة عليهم وغضبًا، فقال له الملأ، يحرضونه عليهم (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ ليُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَك) أتترك موسى وقومه بني إسرائيل يفعلون ما يريدون في أرض مصر؛ لتكونَ العاقبة فساد الناس عليك.
وهذا مسلكٌ معروفٌ لبِطانةِ السوء، همُّهم معرفة ما في نفس الحاكم على خصومه، فيغْرونه بالبطش بهم قبل أن يتكلّم به، على أنّه نُصحٌ منهم لصالح الرعية، وهو دأب الظالمين في كل زمان؛ انعكاس الأمور، وقلب الحقائق، يسمون الاستبداد والطغيان وقهر الناس إصلاحًا، والتوحيدَ والإيمانَ بالله، وتخليص الضعفاء من قبضة الظالمين فسادًا، ولذا قالوا لفرعون (وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ) أتتركهم يفسدون ويتركون عبادتك وعبادة آلهتك، فقد كان القبط يعبدونَ الكواكب، ووضعوا لها آلهةً وتماثيل في الأرض، يتقرّبون بها إلى فرعون، الذي قال لهم: أنا ربكم الأعلى، يقولون له: كيف يجتمع لك أن تترك موسى يفسد في الأرض، مع انصراف النّاس عنك وتمردهم عليك وعصيانهم لك؟!
فاللام في (لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) للتعليل، ومعناها العاقبة، والاستفهام في (أَتَذَرُ مُوسَى) مستعملٌ في التحريض والإغراء بالبطش بموسى ومَن معه.
استجاب فرعون لتحريض الحاشية، فأصدر أمره الغَشُومَ الظَّلُوم، فقال (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) توعدَهم أنه سيقتل كلَّ من يُولد من ذكورهم، ويُبقي على النساءِ ويتركهنّ أحياء، وسمّى الصغار من الإناث نساء باعتبار المآل؛ ولأن ما يريده منهنّ من كونهنَّ جواريَ هو عندما يكنّ نساء، وهذا الأمر بقتل الأبناء واستبقاءِ البنات من فرعونِ موسى في هذه الآيةِ، غيرُ الأمر من فرعون سَلفِه، الذي أَمَر بقتل الذكور عندما خوَّفَه الكُهّان بولادة موسى، فذلكَ فرعونُ آخر.
والقهرُ في قوله (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) الغلبةُ بإذلالٍ، فإننا سنتسلطُ على بني إسرائيل بالقهر والإذلال.
(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ) توعُّدُ فرعونَ لقوم موسى قابلَه موسى بتثبيت قومه وتطمينِهم، بألَّا يكترثوا بترهيب فرعون، بأن يتوكلوا على الله ويستعينوا به عليه، فهو كافيهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤا۟ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾([1])، وطلب منهم أن يصبروا، فإنّ تسلطَ فرعون عليهم لا يدوم؛ لأنّ الأرضَ والدنيا بأكملها مُلكٌ لله، يُورِث منها ما يشاءُ لمَن يشاءُ مِن عباده، فكما أعطى فرعونَ مُلكَ مِصر، فإنه يَنزِعه منه عندما يشاء، ومآل الأمر وعاقبته للمتّقين، والعاقبة المذكورة في الآية هي العاقبة الحسنة، فـ(ال) في (العاقبة) للعهد الذهني، فالعاقبةُ الحسنة في الدنيا والآخرة للمؤمنين المتّقين الذين يخافونه، لا للطغاةِ المتكبرين.
لم يصبر بنو إسرائيل كما أمرهم موسى عليه السلام، بل شَكَوْا إليه حالهم، وأظهروا جزَعَهم، فقالوا له (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) ولعلّهم قالوا ذلك؛ لتَحْملَه شكواهُم على الدعاء لهم بالثبات في مواجهة عدوهم.
والأَذَى: المسُّ بالمكروه، ويكون خفيفًا كما في قوله: ﴿لَن یَضُرُّوكُمۡ إِلَّاۤ أَذࣰى﴾([2])، ويكون شديدًا كما هنا، فإنهم أُوذُوا من فرعون أذًى شديدًا، أُوذوا من فرعون قبلَ ظهور الرسالة وإتيانِ موسى إليهم، بقتل كل مولودٍ يولد لهم، وأُوذوا بعد مجيء موسى إليهم بالاستعباد، وتسخيرِهم لخدمته، وجعلِ نسائهم جواريَ له ولحاشيته، وبتوعدهم بالقطع والصَّلب، وزيادة القهر والإذلال.
(قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ) رجَا موسى من الله أن يُمكِّن لهم، ورجاؤه جارٍ مجرى الدعاء؛ ليعينَهم الله، ويُقوّيَهم على التَصبُّر، وفعل الترجي في القرآن متحققُ الوقوع، سمِعَ موسى شكواهُم؛ فدعَا اللهَ لهم أن يُهلِك عدوهم فرعون، ويَجعلَهم بعد هلاكه مستخْلَفين في الأرض، مُمَكَّنًا لهم في المُلك والحكْم (فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) قال لهم: ويظهَرَ لنَا ما علمه الله منكم أزلًا، ما سيكونُ عليه حالُكم، وكيف أنتم تعملونَ في المُلك الذي آلَ إليكم؛ مِن إصلاحٍ في الأرض، وطاعة لله، وشُكرانٍ للنّعم، أم عصيانٍ لأوامر الله، وتحايُل على التكاليف، وكفران للنّعم.
فقوله (فَيَنظُرَ) فيَظهَر علمُ الله، و(كيفَ) يصح أن تكون إخباريّة، فتعرب مفعولًا لـ(يَنظُرَ)، ويصحُّ أن تكون استفهامية، مفعولًا مقدّمًا لـ(تَعْمَلُونَ).
(وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ)(130-131)
أخبر الله أنه أخَذ فرعون وقومه بالسنين، واختبرهم بالقَحط والجَدب وقلة الخيرات والثمرات؛ لأجل أن يتذكروا ويتوبوا إلى الله، ويرجعوا عما هم عليه من الكفر والطغيان، لكنهم لم ينتفعوا بذلك، وعكسُوا المقصود من الاختبار والابتلاء، وفسّروه بما يلائم أهواءهم ومعتقداتهم الفاسدة في الشؤم والتطير، بإسناد الضرّ والنفع إلى غير الله.
وقد كان العرب في الجاهلية يفعلون فِعلَهم، فكانوا يتشاءمون بالاستقسام بالأزلام، وبالغُراب، وبالطير، بالبَوارح منه، وهو انبعاث الطير -أمام القاصد إلى أمر- من اليسار إلى اليمين، ويتفاءلون بالسَّوانح، وهو انبعاث الطير أمامهم من اليمين إلى الشمال، ومنه سُمي الشؤم والفأل طِيرةً، لتعلقه بحركة الطيرِ، ويعتقدون وقوع النفع والضر بناء على ذلك لا مَحالة.
وهذا المعنى للشؤم والفأل هو الذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: (لاَ طِيَرَةَ…)([3])، وحَذَّر منه بقوله: (الطِّيَرَةُ شِرْكٌ…)([4])؛ لأنها تُسندُ الضُّرَّ والنَّفع إلى غيرِ الله.
فقوله (أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ) جمع سنةٍ، وهي القَحْطُ والجَدْب، يُقال منه: أَسنَت القومُ، إذا أصابهم الجفاف والجدبُ، و(ءَالَ فِرْعَوْنَ) أولياؤه وأتباعه من الأقباط، وَنَقْص الثمرات: قلّة الثمار والمحاصيل، بسبب الجفاف والعاهات، و(لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) لعلّهم يتعظون بما أصابهم من القحط والشدة في العيش، فيراجعون أنفسهم.
وقوله (فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) جاءهم الخِصبُ والخير، وَسعةُ الرزق ونماء الزروع والأموال (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) جَدْبٌ وقَحْط وسوءُ حال (يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ) يتشاءمُوا بموسى ومَن معه، ويرون أنّهم سبب ما أصابهم من البلاء وشدة العيش ونحو ذلك، وهذا مِن ظلمهم.
ودلّ قولُه (فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) على أنّ الحسنة والخير هو الأصل في حال أهل مصر زمن فرعون، وهو الكثير من أحوالهم، لتعريف الحسنة بالجنس الدال على التوسع والشمول، ولتعليق مجيئها بـ(إِذَا) الدالة على كثرة الوقوع، وأن السيئة والشرور استثناء قليل الوقوع؛ لتنكير لفظ السيئة، ولتعليق إصابتهم بها بـ(إِنْ) الشرطية، الدالة على التردّد في وقوع شرطها وقلّة وقوعه.
واللام في قوله (قالوا لَنَا هَذِهِ) للاختصاص، زعمُوا أنهم جديرونَ بالحسنات والخيرات، وأنهم مختصُّون بها، يستحقونَها لذواتهم، قالوا في زعمهم: كثرة الخير وسعة الرزق، نحن جديرونَ بها ونستحقّها، وإذا حُرمنا منها، وأصابنا الضُّر، فبشؤم مجيء موسى ومن معَه إلينا؛ لأنّ ما نحن فيه يُرضي الآلهة، فقلَب الكفرةُ الموازين وعكَسوا الفطرة، وجعلوا الضَّلال هدايةً، وموجبات الغضب والانتقام أسبابًا للخيرات والنِّعم.
و(ألَا) في قوله (أَلَا إِنَّمَا طَآئِرُهُمْ عِندَ اللهِ) حرف استفتاح، يؤتى به لتنبيه المخاطَب على أهمية ما يأتي بعده، وهو هنا الرد عليهم فيما قالوه من أن سبب ما هم مِن سيئة وشدّةٍ وجَدْب هو تطيرهم وشؤمُهم بمجيء موسى، فقال لهم: إن ما يصيبهم مِن سيئة وشدّةٍ وجَدْب، هو مِن الله، بسبب كفرهم ومعاصيهم، وكذلك ما يأتيهم من سَعةٍ وخِصبٍ، هو مِن الله، فالله هو الذي يجبُ عليهم أن يتّقوه ويخافوه على الحقيقة.
فمعنى (إِنَّمَا طَآئِرُهُمْ عِندَ اللهِ) الله هو الذي يَملكُهم، ويتحكّم في أقدارهم على وجه الحصر، لا يَقدِر عليها غيره، فليس لهم طائرٌ يخشَونه، إلا ما يأتيهم به اللهُ في أقداره.
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أكثرُ آلِ فرعونَ لا يعلَمون أنّ النفع والضُّر كلّه من عند الله، وقليلٌ منهم يعلمُ ويكابر، لكنّهم ـ معًا ـ اجتمعُوا على الكفر ونُكرانِ النِّعم.
[1]) المائدة:23.
[2]) آل عمران:111.
[3]) البخاري: 5754.
[4]) أبوداود: 3910، وإسناده صحيح.