طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (388)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

الحلقة (388)

[سورة الأعراف: 141-143]

(وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ)(141)

هذا خطابٌ من الله لبني إسرائيل يُذكرهم بنعمه عليهم،  فاذكروا وقت الشدة الذي مَرَّ بكم، وأنتم في قبضة آل فرعون وأعوانه وأنصاره، يَسُومُونَكُمْ ويُوقعون بكم من العذاب أشدّه، وما لا تطيقون؛ رجالُكم للسُّخْرة والخِدمة، ونساؤكم جَوارٍ للمتعة، وقد تقدم المزيد في تفسير هذه الآية في قوله: ﴿وَإِذۡ نَجَّیۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ یَسُومُونَكُمۡ سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ یُذَبِّحُونَ أَبۡنَاۤءَكُمۡ وَیَسۡتَحۡیُونَ نِسَاۤءَكُمۡۚ﴾ في البقرة([1])، وضميرُ المتكلِّم في (أَنْجَيْنَاكُمْ) هو ضميرُ العظمةِ لله تعالى، بدليل قراءة: (نَجَّاكُم) وهو ما يتفق مع آخر الآيةِ في قوله (بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) والبَلاء معناه الابتلاء، ويكون بالخير والشرّ.


(
وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ)(142-143)

بعد إغراق فرعون، وخروجِ بني إسرائيل من البحر، ومرورِهم على قوم يَعكُفونَ على أصنام لهم، وتمنّيهم أن يكونُوا مثلَهم يعبُدونَ الأصنام، جاء وقتُ حاجتهم الشديدةِ إلى كتابٍ من الله، يهديهم ويُرشدُهم، حتى لا يَنزَلِقوا إلى الوثنيّة، فكانت مواعدة الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى جبل الطور بسَيناء؛ ليوحى إليه بالتوراة.

وقد أمره الله أوّل الأمر بالانقطاع له ثلاثين ليلة استعدادا للمناجاة، فلمّا أَنِس موسى بربه، وتذوق طعم الانقطاع إليه، زاده الله عشرًا مكمِّلة؛ ليحقق موسى رغبته، ويُشبع نَهمَته، مما يتنزل عليه من فُيوضَاتِ ربّه وأنواره، فقال (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ).

والميقات في قوله (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ) الوقت الذي أراده الله، وسبق في علمه أن يأتي فيه موسى إلى حضرة القدس، فكان ذلك الميقات مع ربه في تمام الأربعين ليلة؛ ليكلّمه ربّه، ويُنزل عليه ألواح التوراة، ولذا سُمّي موسى صلى الله عليه وسلم الكَليم.

وخَصَّ الله تعالى الليالي بالذكر في قوله (ثَلَاثِينَ لَيْلَةً) دون الأيام؛ لأن الليلة أسبق من اليوم، فالليالي أول الشهور، والأيام تَبَعٌ؛ لذا وقع بها التأْريخ عند المسلمين في وثائقِهم.

فـ(وَاعَدْنَا) من المواعدة مفاعلة، أصلها أن يكون الوعد فيها من جانبين، والوعد هنا بمعنى الأمر بالخروج إلى الجبل؛ لينقطع موسى للمناجاة، ويُعِدَّه ربُّه لكلامه، فهو أمرٌ من الله وحدَه، فالمواعدة مِن جانبٍ واحدٍ على غير بابها، إلا أن يُجعل الخروج والامتثال من موسى صلى الله عليه وسلم بمنزلةِ الطرَف الآخَر.

وقال موسى لأخيه هارون عند خروجه إلى الجبل (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) فعَهِد بقومِه إلى أخيه؛ ليكون خليفة له مدةَ غيابه، يتولى أمرهم ويرعاهم، حتى لا يختلفُوا وينحرِفوا، وأوصاهُ فقال (وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) أمرَه بأن يسوسَهم بالعمل على ما يصلح حالهم، وهو يُبين أن الإصلاح واجبُ ولاةِ الأمر نحو الرعيّة، ليس فقط فيما يتعلّق بالحفاظ على دينهم، بل جعل الله أيضًا حُسنَ سياسةَ الرعية بالعدل وإصلاح حياتهم في معاشِهم واجبًا في أعناق مَن تولَّوْا عليهم، فإنهم إذا ما أَفسدَ عليهم من تولى أمرهم حياتَهم، وجعل الكلمة في بلادهم لعدوهم، أذلهم ومنعهم من إقامَة دولتهم وإصلاح بلادهم، وإذا أَفسد عليهم دنياهم، وضَيَّق عليهم معاشَهم، أَفسَد عليهم دينهم بالتَّبَع؛ بالتعدي والظلم ونهبِ الأموال وأكلِ الحرام.

وقوله (وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) يدلّ على وجوب سدّ أبواب الفساد على أبلَغ وجه، والتحذير من أن يُتبَع الطريق الذي يسلكه المفسدون، بوجوب سَدِّ كل مسلَك ومنفَذ للفسَاد، فإنّ المفسدِين يفعلون ـ أحيانًا ـ ما ظاهره إصلاحٌ للبلد، يُمهّدونَ به لفسادٍ قادم، فلا يُغترّ بهم، والواجب هو الابتعاد عن طريقِ المفسدين، بعدم الجلوس إليهم واتّباع سبيلهم، وعدمِ تكْثيرِ سوادهم.

وُعِد موسى ليتلقى أمر ربّه بجبل سَيناء، ولما جاء موسى للميقات والموعد الذي حدده ربه له وأنجز له وعدَه وكلّمه، بأن سمِعَ كلام ربه على الوجهِ الذي يليقُ بالربوبيّة (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) لما جاء موسى للميقات، وكلمه ربه، أجاب موسى كلامَ ربِّه بقوله: رب أرني أنظر إليك، فأطمَعَه الكلامُ في طلب الرؤية، فقوله (قَالَ رَبِّ) هو جواب (لَمَّا) الشرطية.

وكلام اللهِ لموسى وقعَ حقيقةً، لكنْ دون تَكييفٍ ولا توصِيف، فكما أن الله سميعٌ بصيرٌ حقيقة، يرى خلقَه ويسمعُهم بلا كيف، هو يُكلمُهم بلا كَيف، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير.

وقد ذكر الله أنه يكلّم خلقَه بإحدى طرق ثلاثٍ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن ‌یُكَلِّمَهُ ‌ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ مِن وَرَاۤئِ حِجَابٍ أَوۡ یُرۡسِلَ رَسُولࣰا فَیُوحِیَ بِإِذۡنِهِۦ مَا یَشَاۤءُ إِنَّهُ عَلِیٌّ حَكِیمࣱ﴾([2]) فـ(إِلَّا وَحْيًا) بأن يقذفَ الله كلامه ويلقيَه في قلب النبيّ، كما في الأحاديث القدسية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يرويها عَن ربّه، وكلامُه تبارك وتعالى من وراء حجاب كما كانَ لموسى صلى الله عليه وسلم، فإنّه سمِعَ كلام ربه من وراء حجاب، وحصَل مثله لنبيّنا صلى الله عليه وسلم ليلةَ المعراج، والنوعُ الثالث، وهو كلامُه بإرسال الرسول؛ ما كان بواسطة المَلَك، يُلقيه الله تعالى إلى المَلَك، فيستوعبه المَلَك، ثم ينزل به، ويُسمِعُه للرّسول، كما كان جبريل يَنزل بالقرآنِ كلامِ الله على النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وقول الله لموسى (لَن تَرَانِي) يفيد النفي المؤكَّد، والقَدَريّة يقولون إنّ حرفَ (لنْ) لتأبيد النفي، وما نُفي بها عندهم لا يحصُل أبدًا، ويستدلّون بها على نفي رؤية الباري في الجنّة.

ودلالة (لن) على تأبيد النفي محلُّ خلاف، والصحيح أنّها لا تفيدُ التأبيد، فإنه يصحُّ أن تقول لمن سألك: هل يأتي محمدٌ غدًا؟ أن تجيبه: لن يأتي غدًا؛ لأنّك تريدُ أنه ربما يأتي في وقتٍ آخر.

ولو سُلِّم أنّها في الآية تدل على التأبيد، يتعين حملُه على نفيِه في الدنيا، فإنّ أحدًا لن يرى ربه في الدنيا، أمّا في القيامة، فقد جاءتِ الأحاديث الصحيحة برؤية الله في الجنّة، وفي القيامَة.

والنبي صلى الله عليه وسلم هو المُبيّن لكتابِ الله، فالمصيرُ في كلّ ما أشْكَل معناه من القرآن إلى ما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم متعيّنٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ﴾([3]).

(وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي) هذا استدراكٌ بعد نفي الرؤية، يفيدُ أن نفيَ رؤيةِ الله في الدّنيا معلّل بعدم الإطاقة، فيُشْعِرُ الاستدراكُ (وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) بعدم دخول الوَحشَة على موسى الذي طلَب الرؤية؛ تلطّفًا من الله مع نبيّه، فأمرَه الله جوابا لطلبه الرؤيةَ أن يتوجّه ببصره إلى الجبل، ويلاحظَه؛ هل الجبل الذي يراه سيَثبُت في مكانه، أم سيضمَحل ويصير أَثرًا بعد عين؟ فقد عَلَّق الله إمكانية رؤيته على بقاءِ الجبل واستقراره.

(فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) لما توجّه شيء من جلال الله ونوره إلى الجبل، وانزاحت بعض الحجب عن جلال الله، اندكَّ الجبل: تفتَّت وتلاشى، واستوى بالأرض، ولم يُطقِ الجبلُ هذا التجلّي.

فالدَّك والدَّقّ بمعنى واحد، وهو جعل الشيء مُفتتًا مطحونًا، وقد تلا النبي ﷺ هذه الآية (تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) وصَوَّر قِلةَ ما حصَل مِن تجلي اللهِ، الذي اندكّ منه الجبل، بوضع إبهامِه على رأس خِنصَره([4]).

لمَّا اندكَّ الجبلُ سقطَ موسى مغشيًّا عليه؛ كمن أصابته الصعقة فأخرجته عن وعيه؛ لضعف بدنه عن التجلّي للجبل.

فـ(صَعِقًا) صفة مُشبَّهة بمعنى مصْعوقًا.

(فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) لما أَفَاقَ موسى ﷺ واستيقظ من الصعقة، ورجع إليه وعيه، تأسفَ وندِمَ، وأدرك أنه طلب أمرًا لا يحق له؛ لأنه لا يُطيقه، فقال لربّه (سُبْحانَكَ) أُنزهك وأُقدّسك عما لا يليق بك، وأُعلن توبتي إليكَ، فتجاوَزْ عنّي.

فقوله (تُبْتُ) جملةٌ خبريّةٌ لفظها لفظ الماضي، مستعمَلةٌ في الدّعاء لطلب التوبة، والتعبير عنها بالماضي يُشعر بتأكّد قَبولها، فكأنّها لوُثوق موسى بها حصلت بالفعل، وقال: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بك وبصفاتِك، على ما يليقُ بك، وإيماني بذلك ثابتٌ لا يتزعْزع، فالأولية في الإيمان معناها المبادرة والقوّة، والثباتُ عليه، ومعلومٌ أنّ كلّ نبيٍّ هو أول المؤمنين في المبادرة إلى الإيمان والثباتِ عليه مِن أمّتِه.

 

[1])         البقرة: 49.

[2])         الشورى:51.

[3])         النحل:44.

[4])         الترمذي: 3074، وإسناده صحيح.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق