تعويض عن أرض مغتصبة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (5915)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
قمت بشراء أرض مساحتها 1010 م2، بقرقارش …. في سنة 1968م، وظلّت الأرض خلاء إلى حين صدور ما يعرفُ بقانون التّطويرِ العمراني، الّذي نصَّ في أحدِ مواده على نزع ملكيّة أيّ أرض خلاء في نطاق مدينة طرابلس خلالَ ثلاث سنوات، إذا لم يقم صاحبها بتعميرها والبناء عليها، ومن لا يملك المال الكافي لبنائها يمكنه نيل ما يعرف وقتها بقرض التّطوير العمراني، مقابل رهن الأرض الّتي يملكها للمصرف، وهذا ما كان، فرهنت الأرض مجبرًا للمصرف مقابل قرض بمبلغ (89) ألف دينار، وقمت ببناء عمارة من أربع طوابق، وزدتُ على ذلك القرض من مدخراتي ومالي الخاص؛ حتى يتسنى لي إكمال المبنى في الوقت المحدد، فانتهيت من المبنى كاملا مشطبًا فيه اثنا عشر شقة، وتحت العمارة بدروم بمساحتها بالكامل، وأربعة متاجر ومخزنان، وكان هذا في شهر يونيو سنة 1975م، وشرعت في سداد أقساط المصرف شهريًّا، وإذا بالنّظام السّابق يصدر قانونًا ظالمًا آخر نهاية سنة 1975م، أسماه بالقانون 88، وصودرت به عمارتي والأرض وما عليها، وبناء عليه آلت ملكيّة العمارة للدّولة اللّيبيّة منذ 40 عامًا إلى اليوم، مقابلَ تعويضٍ زهيد غيرِ مرضي استلمته، وسداد ما تبقّى من قيمةِ القرض.
وحتّى اللّحظة لا زلتُ في قوائم المدينين للمصرف التّجاري الوطني، وعندما أذهب للتّسوية يقولون إن تعاملهم مع وزارة الإسكان، الّتي آل من خلالها المبنى إلى الدّولة اللّيبيّة، وعندما أذهب إلى وزارة الإسكان يقولون إن هذا من شأن المصرف.
وأنا لا أريد أن أقابل ربي بدين في رقبتي، فكيف تبرأُ ذمتي من ذلك؟
الجواب:
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد:
فمَن أخذت الدولة شيئًا من أملاكه، وعوضته بالثمن الحقيقي لعقاره حين أخذته منه، وأبرمت معه عقدًا برضاه، ورضي به في ذلك الوقت، فليس له أن يطالب بشيء الآن بسببِ تغير الأسعار؛ لأنه قبضَ العوض، ورضي به يومئذ، ومن لم تدفع الدولة له عوضًا، أو دفعت عوضًا بخسًا، لم يرضَ به يومئذ؛ فله أن يطالب الدولة بالتعويض، ويقاضيها في المحاكم، فتلك سنةُ الخلفاء الراشدين؛ لأن فعل الدولة بالمصادرة دون ثمن الوقت، تعَدٍّ وغصب، لا يثبت به حق، ويبقى الحقّ لأصحابه، قال النّبي صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلاّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) [أحمد: 20695].
وبما أنَّ الدولةَ الليبية شريكة في ملكية المصرف التجاري الوطني – الجهة المقرِضة – كما في السؤال، وقد أبرأت الدّولة السّائل عن الدّين نظير العقار المغتصب من قبلها، كما في المادة (5)، فهو في الحقيقة احتسابٌ له من ثمن العقار بالإضافة إلى التّعويض المدفوع، فإن كان ما قبضه في التعويض مضافا إليه ما قبضه في القرض يساوي عقاره في ذلك الوقت الذي أممته الدولة فليس لأحد الطرفين حق على الآخر في شيء من هذه المعاملة، فلا يحقّ للدولة أن تطالبه بالدين الذي أخذه، ولا يحق له أن يطالبها بتعويض، مع العلم بأن كلا من الطرفين آثم في الإقدام على هذه المعاملة، ومرتكب جريمة من أكبر الذنوب وهو القرض الربوي، سماها القرآن حربا لله ورسوله، والله أعلم.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آلهِ وصحبهِ وسلّم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
حسن بن سالم الشّريف
الصّادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
28//رجب//1446هـ
28//01//2025م