بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6048)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
نحن منظمة خيرية تجمع الملابسَ، عبرَ صناديقَ في مدينة طرابلس؛ لتوزعَها على الفقراء والمساكين، وهذه الصناديق تحتاج عمّالًا لاستلام الملابس، وسياراتٍ لنقلِها إلى المخازن، وهذا يتطلبُ أجرةً للعمال وسيارات النقل والمخازن، لذا نضطر لبيع جزءٍ من الملابسِ كي نسددَ الأجور، وعند توزيعنا الملابسِ اتضحَ أنّ مَن يأخذُها سواءٌ من العمالة الإفريقية -وهم الغالبية بنسبة 80%- أو الليبيينَ والعرب، يذهبونَ للجمعيات الأخرى ويأخذون منهم الملابسَ، ويبيعونها في سوق الكريمية وأسواق أخرى، وهم نفس الوجوه، معظمهم يأتون إلينا كل أسبوع مرتين، ويأخذون كميات كبيرة؛ لذا اتضحَ لدينا -بما لا مجال معه للشك- أنهم يأخذون أكثر من حاجتهم، ويتاجرون بها في الأسواق، وسبق أن حصلتْ سرقةٌ من مخازننا بجوار المكان الذي توزع فيه الملابس، ولما ذهبنا إلى سوق الكريمية وجدنَا أنَّ جزءًا من البضاعة المسروقة بِيعَ في السوق، فهل يجوز لنا بيع الملابس والأثاث والهدايا والتحف التي يتبرع بها الناسُ، وصرفُ ثمنها على الفقراءِ؛ لشراءِ سلع تموينيةٍ وأشياء ضروريةٍ للمحتاجينَ، ودفعِ إيجارِ المخازن وأجرةِ العمال والنقل؟ علمًا أننا لا نملك موارد أخرى للاستمرارِ في هذا العمل.
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالجمعيةُ بمنزلة الوكيل عمَّن تجمع منهم الملابس وغيرها لتوزيعها على الفقراء، والوكيل ليس له التصرفُ، إلا في حدودِ ما وكلَ فيه، أو ما هو في معناه، فإنْ نصَّ المتبرعُ على تسليمِ عينِ الصدقةِ، فلا يجوزُ للجمعيةِ بيعُها حتى تستأذنَ المتبرّعَ، وإن لم يحدّدِ المتبرعُ مصرفَ الصدقةِ – كأن يقول هذه صدقة في سبيل الله أو للفقراء والمساكين – ولم ينصَّ على تسليم عين الصدقة للفقراء، فإنه يجوز للجمعية أن تبيعَ من التبرعاتِ ما تسددُ به تكاليفَ التجميع والنقلِ والتخزين، وتصرف منه على وجوه البرّ الأخرى ومصالح المسلمين؛ لأن القصدَ هو البرُّ وصنعُ المعروف، ولأنه إنفاقٌ لوجه اللهِ، وما كان للهِ يصرفُ بعضُه في بعضٍ، ولأنهُ لو استشيرَ المتبرعُ فيه لما منَعه؛ ولأنّ بعض العلماء قالوا فيمن أخرجَ كسرةً لسائلٍ ولم يجده، وكان السائل غير معينٍ، فإنَّها تصرفُ لغيره، وإن كان السائلُ معينًا معروفًا، فإنَّ الأمرَ فيها يرجعُ إلى صاحبِها، وله أن يتصرفَ فيها كما يريد، يأخذها ويستردّها، أو يصرفها إلى جهة أخرى [ينظر الفَوَاكِهُ الدَّوَانِي: 157/2].
عليه؛ فإذا لم يشترطِ المتبرعون ـ نصًّا أو عُرفا ـ تسليمَ تلك التبرعات بعينها للفقراء، أو أخذت الجمعيةُ الإذنَ من المتبرعين ابتداءً في التصرف في التبرعات – بأن أعلنت عن ذلك عند صناديق التجميع مثلًا – فإنَّ بيعَها لتسديدِ التكاليف، وشراءِ سلعٍ تموينية وحاجياتٍ أخرى للفقراءِ جائزٌ، إذا كان أصلحَ لهم، أما إذا اشترطَ المتبرعون تسليمَ التبرعات بعينها، ولم تأخذِ الجمعيةُ الإذن، فلا يحقُّ لها حينئذ البيع حتّى تستأذنَ المتبرعينَ، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
حسن بن سالم الشريف
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
11// محرم//1447هـ
06//07//2025م