طلب فتوى
الأسئلة الشائعةالأسرةالطلاقالفتاوى

حكم طلاق من ذهب عقله بسبب تعاطيه المخدرات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (6007)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

وقعت مشكلة بيني أنا (م) وبين زوجتي، ثم ذهبتْ لمنزل أهلها دون إذني، فتعاطيتُ بعدها لمدة عشرة أيام أقراصًا مخدرةً تغيب العقل، وفي آخر يوم اتصلتُ بأخي وقلتُ له: (لو لم ترجع زوجتي إلى البيت الساعة كذا فهي طالق بالثلاثة)، ولم ترجع، وفي اليوم التالي لم أدرك ما حصل حتى اتصلَ بي أخي، وأخبرني بما تلفظتُ به، فلم أتذكر الموقف بجميع تفاصيله، فما حكم ذلك؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنّ ما ابتُليَ بهِ السائل مِن تعاطي المخدرات، الذي أخرجَه من دائرة العقلاءِ، محرَّمٌ من كبائر الذنوب، حيث وضع نفسه في منزلةِ الحيواناتِ غيرِ العاقلةِ، ورضي أن يضع نفسه هذا الموضعِ الذي يُغضِبَ اللهَ، فإن الله حرَّم الاعتداء على العقل كما حرَّم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، وشدَّدَ في شرب الخمر الذي يذهب العقل، وجعلَهُ رجسًا مِن عملِ الشيطانِ.

والسائل لم يُبَالِ بهذا كله، ولم يشعر بالندم، ولا بالخوفِ من الله تعالى! وكل ما أهمّه في الأمر وأقضَّ مضجعه، هو مجرّدُ سؤاله عن طلاق زوجته؛ هل وقعَ أم لا؟ كانَ الأجدرُ به أنْ يسألَ: كيفَ أصنعُ لأتوبَ إلى اللهِ من هذه المعصيةِ الكبيرةِ، ليقبلَ اللهُ توبتي، وما السبيلُ إلى ذلك؟ ويعبّرَ عن ندمه وخوفه من اللهِ، قبل أنْ يلقاهُ وهو غاضبٌ عليه، هذا هو الذي كان على السائل أن يفعلهُ، قبل أن يسألَ عن طلاقِ زوجته، أصلحَ اللهُ أمره.

وأما فيما يتعلقُ بالطلاقِ؛ فإنَّ العقل هو مَناطُ التّكليفِ والمؤاخذةِ بالأقوالِ والأفعال، فإذا  كان المطلِّقُ يعِي ما يقول وقت التلفظ بالطلاق، ويقصدُ ما يتكلَّمُ به؛ فالطلاق واقعٌ، وأمّا إن غابَ عقلُه فلم يدركْ أو يعلمْ ما صدرَ منه، وطلّقَ في هذه الحالة، فلا يقع طلاقُه، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه صار في حكم المجنون، وقد قال النبيg: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَن ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظِ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [أَبُودَاود: 4398]، وفي المدوّنة: “قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيد r: مَا نَعْلَمُ عَلَى مَجْنُونٍ طَلَاقًا فِي جُنُونِهِ، وَلاَ مَرِيضٍ مَغْمُورٍ لاَ يَعْقِلُ، إِلاَّ أَنَّ المجْنُونَ إِذَا كَانَ يَصِحُّ مِن ذَلِكَ، وَيُرَدُّ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا عَقلَ وَصَحَّ جَازَ أَمْرُهُ كُلّهُ، كَمَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ”[المدونة: 2/84].

عليه؛ فإنْ كانَ الواقع كما ذُكِر في السؤال، من أنَّ الزوجَ وقت إيقاع الطلاقِ كان عقله مغيبًا، ولم يتذكر بعد ذلك ما صدر منه بسببِ تعاطيه للمخدرات؛ فلا يلزمُه الطلاق.

وليعلمِ الزوجُ أنَّ وقوعَ الطلاق من عدمهِ متوقِّفٌ على صدقِه فيما أخبرَ به، مِن عدمِ إدراكه لما وقعَ منه مِن التلفُّظِ بالطلاقِ، وأمَّا إن كان الواقعُ خلافَ ما ذَكَر، بأن كان مدركًا لما وقَع منه من الطلاقِ؛ فإنّ هذه الفتوى لا تفيدُه، والطلاقُ لازمٌ له، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد الرحمن بن حسين قدوع

حسن بن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

7//ذو القعدة//1446هـ

2025/5/5م  

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق