بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6065)
السيدة/ قاضي محكمة س ج الجزئية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحية طيبة، وبعد:
فبالنظر إلى مراسلتكم المتضمّنة طلب فتوى شرعية، لبيان عدد الطلقات الواقعة من المدّعي (م ع ص)، على المدّعى عليها (د م ح)، حيث إن المدعِي ذكر أن الطلقة الأولى صدرت منه في سنة 2022، أثناء خلاف حاد مع زوجته، وكان في حالة غضب شديدٍ غابَ معه الإدراكُ بما يقول، ولم يعلم أنه قد طلق إلا من إخبار زوجته له، ثم راجعها.
ثم وقعت طلقة ثانية منه عبر رسالة نصية في سنة 2024، بعد خلاف آخر، وراجعها أيضًا.
ثم وقعت طلقة ثالثة في نفس العام، تمّت بالتراضي أمام المحكمة.
الجواب:
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد:
فإن العقل هو مناطُ التكليف والمؤاخذة بالأقوال والأفعال، فإذا كان المطلِّقُ يعي ما يقول، ويقصد ما تكلم به؛ فالطلاق واقعٌ، وأما إن كان المطلقُ شديد الغضب وقتَ الطلاق، إلى درجةٍ لا يعي فيها ما يقول، ولا يشعر بما صدر منه؛ فالطلاق لا يقع؛ لأنه صار في حكم المجنون فاقدِ العقل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَن ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [الترمذي: 1423]، وقال الصاوي رحمه الله: “يَلْزَمُ طَلَاقُ الْغَضْبَانِ، وَلَوْ اشْتَدَّ غَضَبُهُ، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَغِبْ عَقْلُهُ، بِحَيْثُ لاَ يَشْعُرُ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَالْمَجْنُونِ” [بلغة السالك: 2/351].
ودعوى الزوج أنه كان غير واعٍ بالطلاقِ لا تُقبل إذا خاصمته الزوجة، إلَّا إذا شهدتِ القرائنُ بصدقِه، أو قامت له بينةٌ وحلفَ مع ذلك، كما في نقل ابن رحال رحمه الله عن الأجهوري رحمه الله في “مَرِيضٍ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ” قال الأجهوري: “الْحَاصِلُ: إِنْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِمَا قَالَ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ. وَكَذَا إِنْ قَامَتْ لَهُ قَرِينَةٌ تُوَافِقُ دَعْوَاه، وَأَمَّا إِنْ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ كَانَ صَحِيحَ الْعَقْلِ، وَكَانَتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ” [فتح الفتاح: 7/341،340].
فإن وجدَ القاضي من القرائن ما يشهدُ بصدق المدعي، من أنه كان غائبَ العقل حينَ إيقاع الطلاقِ؛ فإن الزوج يحلفُ على دعواه، ولا يلزمُه الطلاق الأول، وتلزمُه الطلقتانِ اللاحقتان، وأمَّا إن لم يكن للزوج بينةٌ ولم تقم له قرائن؛ فالطلاق لازمٌ له في الخصومة، ولا يصدقُ بمجردِ دعواه، والله أعلم.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
حسن بن سالم الشريف
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصّادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
27/محرم/1447هـ
22/07/2025م