عدم دفع الدولة العوض المقرر لأصحاب العقارات المنزوعة ملكيتها يعد غصبا
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6077)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
وَرِث والدُنا رحمه الله قطعة أرض مساحتها 949م2، بمنطقة سوق الجمعة سنة 1972م، ثم تقدَّم بطلب للحصول على ترخيص بالبناء، فرُفِض الطلب؛ لأن قطعة الأرض واقعةٌ في مخطط الطريق الدائري الثالث، فطلب والدنا من بلدية طرابلس تعويضًا، فخُصِّصت له قطعة أرض مساحتها 300م2 بمنطقة الهضبة، ثم تفاجأ بعد مدة أنها خُصِّصت لشخص آخر، فطلبَ تعويضًا، فخُصِّصت له قطعة أرض بغوط الشعال، مساحتها 688م2، علمًا أن السعر بين المنطقتين مختلفٌ اختلافًا كبيرًا في ذلك الوقت، فهو في سوق الجمعة 28 دينارًا، وفي غوط الشعال 2.9 دينار، وأننا لم نتحصَّلْ على تعويضٍ آخر، فما الذي يِحقُّ لنا المطالبة به الآن، بعد فتحِ باب التعويضات؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنه لا يجوزُ للدولة أخذُ شيءٍ من أملاك الناسِ بغير وجهِ حقّ، كما لا يحق لها إجبارُهم على بيعها لغير ضرورةٍ، ومصلحةٍ عامّة ملحةٍ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ [البقرة: 188]، فإذا وُجدت المصلحةُ، وكانت عامةً ملحةً، جاز للدولة أخذُ أملاك الناسِ مقابلَ تعويضِهم بثمنِ الوقت، وذلك بإبرام عقدِ بيعٍ بين الدولة والمالك.
وإذا أُبْرِم عقد البيعِ بين الطرفين، ورضيَ المالكُ به، وكان بثمنِ الوقت، لم يجُزْ للمالك أن يطالبَ بشيء بعد ذلك، حتى لو غلتِ الأملاكُ وارتفعتْ أسعارها فيما بعد، أما إذا كان العوضُ المدفوع أقل من ثمن الوقت عندَ أخذِ الأرض منه، ولم يرضَ به المالك حينها، أو لم تَدفع له الدولة شيئًا على الإطلاق، ففعلُ الدولةِ حينها غصبٌ، لا يثبتُ به الحقّ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ لِعِرْق ظَالِم حَقٌّ) [أبو داود: 3075]،وقال صلى الله عليه وسلم:(مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِن سَبْعِ أَرَضِينَ) [مسلم: 1610]، وقال صلى الله عليه وسلم: (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) [البيهقي: 11545].
ومن حق المغصوب منه أن يُطالب الغاصب بدفع قيمة المغصوب الآن، قال اللخمي رحمه الله: “وَذَكَرَ ابْنُ شَعْبَان عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَرْفَعِ الْقِيَمِ إِذَا هَلَكَ، قَالَ: لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ كُلَّ وَقْتٍ، وَمَتَى لَمْ يَرُدَّهُ كَانَ كَغَصْبِهِ حِينَئِذٍ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسِينَ، ثُمَّ بَلَغَتْ أَلْفًا، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى خَمْسِينَ وَهَلَكَ، فَالْقِيمَةُ عِندَهُمْ عَلَى أَرْفَعِ الْقِيَمِ، فَجَعَلَ لَهُ أَرْفَعَ الْقِيمَةِ مَعَ وَجُودِ عَيْنِهِ وَعَدَمِهَا” [التبصرة: 5763/12].
عليه؛ فإن كان الحالُ كما ذكر، وأن صاحبَ الأرض لم يأخذ عنها عوضًا مجزئًا، فمن حقه أن يُطالب بالقيمة الحالية لأرض سوق الجمعة، وإذا كان قد أخذ شيئا في السابق، فله أن يطالب بتتميم القيمة التي تساويها الأرض في الوقت الحاضر، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
حسن بن سالم الشريف
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
10//صفر//1447هـ
04//08//2025م