بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6106)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أنا عضو في لجنة تأسيس جمعية خيرية لمساعدة مرضى الأورام، بمحلة ق – بلدية غ، أحيل إليكم النظام الأساسي للجمعية؛ رجاء النظر وإبداء الرأي الشرعي فيه.
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنه بالاطلاع على النظام الأساسي للجمعية – المرفق بالسؤال – يتضح أن هذه الجمعية من قبيل التأمين التكافلي، للتعاون على ما يتعرض له أعضاؤها من أزمات صحية أو غيرها، والتأمين التكافلي جائز شرعًا، إذا كان الاشتراك فيه بالرغبة دون إلزام؛ لأنه من التعاون على البرّ والتقوَى، قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:2]، وقال صلى الله عليه وسلم: (وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) [مسلم:2699]، ومن يدفعُ كلّ شهرٍ مبلغًا معينًا لهذا الصندوقِ طواعيةً، لا يدفعُها ليغامرَ بها رغبةً في كسبِ مالِ الآخرين، وإنما يفعلُ ذلك ليعين نفسَه ويعينَ غيره، عندما تنزل به أو بهم نازلةٌ لا يقدرون على دفعها، حتى يدفعوها متعاونينَ؛ وهو بذلك مأجورٌ ـ إن شاء الله ـ فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم الأشعريين، فقال عنهم: (إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ؛ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُم مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ) [البخاري: 2486، مسلم: 2500]، فمالُ الأشعريين قد يصيب فيه أحدُهم أكثر مما يصيبُ غيره، ومال الصندوقِ كذلك؛ قد يصيبُ فيه أحدُ المشاركين أكثر مما يصيب غيره، فليس فيه غررٌ مُضِرٌّ ولا غبنٌ، كما لم يكن في ثوب طعامِ الأشعريين غررٌ ولا غبنٌ، وقد نصّ علماؤُنا رحمهم الله على أن الغرر المضرّ، هو ما كان في المعاملاتِ المبنية على المعاوضةِ والمماكسة، لا في عقودِ التبرعات، التي منها الصناديق التكافلية، قال القرافي رحمه الله: “الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَهَالاَتُ وَالْغَرَرُ، وَقَاعِدَةِ مَا لاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ… وَمِنْهُمْ مَن فَصَّلَ -وَهوَ مَالكٌ- بين قاعدة مَا يُجتَنَبُ فِيهِ الغَرَرُ وَالجَهَالَة، وَهْوَ بَابُ الْمُمَاكَسَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِتَنْمِيَةِ الْأَمْوَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُهَا، وَقَاعِدَة مَا لاَ يُجْتَنَبُ فِيهِ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ، وَهْوَ مَا لاَ يُقْصَدُ لِذَلِكَ… وَثَانِيهِمَا مَا هُوَ إِحْسَانٌ صِرْفٌ لاَ يُقْصَدُ بِهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ؛ كَالصَدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالإْبرَاءِ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لاَ يُقْصَدُ بِهَا تَنْمِيَةُ الْمَالِ، بَلْ إِنْ فَاتَتْ عَلَى مَن أَحْسَنَ إِلَيْهِ بِهَا لاَ ضَرَرَ عَلَيهِ ـ أي بِفَوَاتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا نَظِيرَ مَا فَاتَهُ ـ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، إِذَا فَاتَ بِالْغَرَرِ وَالجَهَالاَتِ ضَاعَ الْمالُ المبْذُولُ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ مَنْعَ الجَهَالَةِ فِيهِ” [الفروق: 2/137].
وبعد مراجعة النظام الأساسي لصندوق التكافل الاجتماعي المرفق، تبينَ الآتي:
أوَّلًا: النظام الأساسي لابد أن تُذكر فيه المبادئ التي يلتزم بها الصندوق، عند تقديم خدماته للمشتركين، ويتضمنُ الفقرات التالية:
- أنَّ الصندوق ملتزم بأحكام الشريعة الإسلامية في كلِّ ما يقوم به من أعمال، بما في ذلك: عدم استثمار أو إيداع أموال الصندوق في أمور محرمة؛ كالمصارف الربوية وغيرها.
- النصُّ في النظام الأساسي على أن الاشتراك في الصندوق قائمٌ على أساس التبرع والتكافل من قبل المشتركين؛ لإعانة بعضهم بعضًا على البرّ والتقوى، ويلتزم الصندوق بتحقيق مبدأ التكافل بين المشتركين، وذلك من خلال تقديم المساعدة لهم، طبقًا للشروط المنصوص عليها في النظام الأساسي.
- يعتبر كلُّ مشترك شريكًا في رأس مال صندوق التكافل، بنسبة ما دفعه من اشتراكات، ويلتزم بالتعاون مع بقية المشتركين، في الحالات المنصوص عليها في النظام الأساسي.
- يفوض المشتركون لجنة الإدارة في استثمار المتوفر من أموال الصندوق -إن رغبوا- كليًّا أو جزئيًّا، نيابة عنهم، بالوسائل المقبولة شرعًا.
- يحق لكل مشترك إنهاء اشتراكه متى شاء، بشرط إعلام الصندوق بذلك خطيًّا، قبل الإنهاء بشهر على الأقل، ما لم يؤدِّ انسحابه إلى الإضرار بالصندوقِ أو الإخلال بالتزاماته، وفي كل الأحوال، يخصم من المنسحب نسبة حصته من الإعانات الممنوحة للمشتركين، في الفترة بين إيداع اشتراكه وانسحابه الفعلي.
- عند تصفية الصندوق؛ يُردّ ما تبقى من موجوداته -بعد سداد التزاماته- على المشتركين؛ كلٌّ حسب نسبة اشتراكه، ويتبرع بالجزء الذي لا يمكن التوصل إلى أصحابه في وجوه البر.
- الفائض المتحقق في الصندوق حقٌّ للمشتركين، وهو مملوكٌ لهم ملكًا مشتركًا.
ثانيًا: حرصًا على التزام الصندوق بأحكام الشريعة الإسلامية وعدم مخالفتها؛ على الصندوق تكليف مستشارٍ شرعيٍّ يراقب أعماله.
ثالثًا: جاء في المادة (7) من النظام الأساسي ما نصه: “إذا انضم أحد الأعضاء إلى الجمعية خلال السنة المالية، فعليه أن يدفع قيمة الاشتراك في الجمعية، ويؤدّي ما عليه من الأقساط الشهرية للمدة الباقية من السنة بشرط عدم المطالبة بالاستفادة من الجمعية الا بعد مرور سنة من تاريخ انضمامه لها”.
في هذه المادة إجحاف بحقوق الأعضاء، وقد تقدم أن هذا العقد مبني على المسامحة والمتاركة، لا المشاحة والمغالبة، ومثل هذه الشروط تعدّ من شروط الإذعان، المصحوبة بعدم الرضا الذي يفسد العقود، فالعدل أنه متى تقيد العضو بدفع الأقساط، والتزم بذلك، وتحقق فيه الوصف؛ استحق الإعانة، بشرط ألّا يكون اشتراكه بعد حصول سبب الإعانة من الصندوق، وإلا عومل بنقيض قصده، ولا حرجَ شرعًا في ذلك، فيجب تعديل هذه المادة على وفق ما ذكر.
رابعاً: جاء في المادة (17) ما نصه: “لا يكون للعضو الذي أسقطت عضويته أو فصل لأي سبب من الأسباب أو لورثته في حالة وفاته، الحق في استرداد الاشتراكات أو التبرعات أو الهبات التي يكون قدمها للجمعية أثناء مدة عضويته”، وفي المادة (43) من النظام الأساسي ما نصه: “تعتبر أموال الجمعية ملكا لها، وليس لأعضائها أو العضو المنسحب أو من فصل أو أسقطت عضويته حق فيها”.
يجب تعديل ما ذكر في هاتين المادتين بما يتفق مع ما جاء في هذه الفتوى في المبادئ الأساسية المقترحة، رقم (6،5،3)، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد العالي بن امحمد الجمل
حسن بن سالم الشريف
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
08//ربيع الأول//1447هـ
01//09//2025م