هبة باطلة غير نافذة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6076)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
تنازلتْ والدتُنا في حالِ صحتها عن نصيبِها من تركةِ والدِنا لأختي، بموجبِ عقد تنازل مقابل مبلغ ماليّ في نظيره، ولكن لم تُذكر قيمة هذا المبلغ، ولم يُدفع في الواقع أصلا، وإنما صُرّح به صوريًّا.
وتضمّ التركة عقاراتٍ متعدّدة، بعضها مؤجرٌ، وكانت والدتنا تتقاضى نصيبها من الإيجارات حتى وفاتها، وبعضها خالٍ لا يتصرف فيه أحد من الورثة، ومنها منزل السكنى الذي أقامت فيه الوالدة حتى توفيت فيه، ولم تغادره في حياتها، وبعضها أموال مودعة في حساب الوالد لم تُقسّم بعد، فهل يصح هذا التنازلُ شرعًا؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فما دام المبلغ المذكور نظير التنازل لم يُدفع في الحقيقة، وإنما جُعِل صورة فقط فهو توليج، والعقد في حقيقته عقد هبة وعطية وليس بيعًا، والهبة لا تَـتِم شرعًا إلا بالحيازة في حياة الواهب، قال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: “وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا حُبُسٌ إِلَّا بِالْحِيَازَةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ فَهِيَ مِيرَاثٌ” [الرسالة: 117].
وإذا تبرّعَ الشخصُ بنصيبه من تركةٍ لم تُقسَّم فإنها هبةٌ على الشّيوع، ويشترطُ لصحتها الحيازة، وهي تحصلُ بتصرفِ الموهوبِ له مع الشركاء كأنّه واحدٌ منهم، بأخذ الغلة والارتفاقِ بالمنافع ونحو ذلكَ، قال الونشريسي رحمه الله: “كُلُّ مَنْ وَهَبَ جُزْءًا مِنْ مَالٍ أَوْ دَارٍ، وَتَوَلَى -أي الموهوب له- احْتِيَازَ ذَلِكَ مَعَ وَاهِبِهِ، وَشَارَكَهُ فِي الاغْتِلَالِ وَالارْتِفَاقِ، فَهْوَ قَبْضٌ وَحَوْزٌ” [المعيار المعرب: 9/196]، فإنْ لم تحصلِ الحيازة رجع الموهوبُ تركةً، يقسمُ حسب الفريضة الشرعية.
عليه؛ فإنّ ميراث الأم الذي وهبته لابنتها من العقارات والأموال المودعة ودار السكنى ما دامت البنت لم تحزه بالتصرف فيه وتَخَلّي الأمِّ عنه؛ يُعد هبةً باطلةً؛ لعدم حصول الحوز قبل موت الواهب، فيُقسّم ميراث الأم جميعُهُ بين الورثة بحسب الفريضة الشرعية، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
حسن بن سالم الشريف
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
10/صفر/1447هـ
04/08/2025م