طلب فتوى
الأسئلة الشائعةالتبرعاتالفتاوىالمعاملاتالمواريث والوصاياالوقف

الحبس على الذكور دون الإناث

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (6008)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

جاء في وثيقةِ تحبيس ما نصه: “لما أن علمت المرأة الحرة الأصيلة المسماة (ف ش ح) أن التحبيس من أجلّ القربات التي لا تنقطع بالوفاة أشهدتنا على نفسها طائعة مختارة، وهي مريضة البدن صحيحة العقل، أنها حبست وأبدت وسرمدت رغبة منها في ثواب الله عز وجل ليستمر النفع لها إلى يوم العرض عليه والوقوف بين يديه كامل شراك الأرض وما اشتمل عليه من نخل وشجر على اختلاف ألوانه وكامل الحوش وما اشتمل عليه من بيوت وأبواب وأخشاب وكل ما به من ثابت ونابت ولبن نصف الساس الغربي من الدار الشرقية التي تفتح بالحوش شركة بنتها (س ك) بالنصف الباقي من الساس المذكور الكائن مكانهما بحاضرة قضاء زليتن بالرمل بمحلة جامع أبي سنينة ويحدهما قبلة شراك ح ع ش  وشرقا ورثة ع ص من القبيل المذكور وبحرا شارع وغربا م ع ش وبجميع منافع المحدود… وحقوق وطرق وغير ذلك وذلك عن ابنها (ص م س) ثم على عقبه الذكور دون الإناث وعقب عقبهم الذكور دون الإناث ما تناسلوا وامتد فرع نسلهم في الإسلام لا يشارك ابن أباه ولا يحجب أصل غير فرعه ومن مات من الذكور ولم يخلف ذكرا رجع نصيبه لأخيه شقيقه إن كان واحدا أو أكثر إن كانوا وإلا رجع لإخوته من الأب وهكذا في كل طبقة ودرجة ومن مات أبوه قبل جده تنزل منزلة والده أن لو كان حيا فإن انقرض الذكور عن آخرهم رجع جميع ما حبسته (ف ش ح) المذكورة وقف على زاوية الشيخ الأكبر والقمر الأزهر سيدي عبد السلام الأسمر نفعنا الله بأسراره آمين يصرف ربع ما ذكر كباقي أوقافها من شجر وترميم وأجرة معلمين وغيرها حسب ما يراه ناظر الوقف المذكور حبسا مؤيداً ووقفا سرمداً لا يباع ولا يوهب ولا يناقل بغيره ولا يورث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين”، وتاريخ الوثيقة في شهر ذي الحجة سنة 1356ه، فما حكم الحبس المذكور؟ علمًا أنّه بعد وفاة المحبَّس عليه (ص م س) سنة 1993م، لم يُلتزَم بتنفيذ الحبس، فورِثتْه زوجته (ع ح ع) وأبناءه الذكور الأربعة (ع)، و(ل)، و(ح)، و(ن)، دون أن يكون هناك ذكر لهذه الوصية، ولم يعثر عليها إلا بعد وفاة ابنه (ن).

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فالحبس على الذكور دون الإناث هو محل اختلافٍ بين أهل العلم، والصوابُ الذي ترجحه الأدلة الشرعية أنه غير جائزٍ شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (اتّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ) [البخاري: 2587]، وفي المدونة: “رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ عَائِشَةَ i إذَا ذَكَرَتْ صَدَقَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِخْرَاجَ الرِّجَالِ بَنَاتِهم مِنْهَا، تَقُولُ: مَا وَجَدتُّ لِلنَّاسِ مَثَلاً الْيَوْمَ فِي صَدَقَاتِهِمْ، إِلّا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ‌﴿وَقَالُواْ مَا فِي ‌بُطُونِ ‌هَذِهِ ‌الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾” [المدونة:4/423]، وقال الإمام مالك رحمه الله في رواية عنه: “إِنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ” [شرح الخرشي:5/88]، وهو اختيار الشيخ خليل رحمه الله  في المختصر، قال: “وبَطَلَ… – أَيْ الْوَقْفُ – عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ” [مختصر خليل: 212]، وهو المعتمد في أكثر المذاهب.

والحبس على الذكور دون الإناث باطلٌ بالقانون الصادر سنة 1973م، المستند للفتوى الشرعية الصادرة من مفتي ليبيا السابق؛ الشيخ الطاهر الزاوي رحمه الله، التي أيّدها قرار مجلس البحوث والدراسات الشرعية التابع لدار الإفتاء، رقم (1) لسنة 1443هــ 2022م، بتعديل القرار رقم (1) لسنة 1435هـ 2014م، بشأن الوقف المعقب، ونصّه:

“2- بطلان هذا النوع من الوقف من تاريخ صدور القانون رقم 16 لسنة 1973م، ويعمل بهذا القانون القاضي ببطلان عموم الوقف الذري، بالشق الخاص منه بالوقف على الذكور دون الإناث في الطبقة الأولى خاصة؛ لما فيه من الحيف والجور، دون غيره من الوقف الذري، الذي لا جور فيه؛ لأنه يدخل في أبواب البر….

…4- تتم قسمة الوقف الذي حكم ببطلانه على ورثة المحبس الموجودين من الذكور والإناث وقت نفاذ القانون، بتاريخ: 24/ 04/ 1973م، ويعتبر المحبس كأنه مات في هذا التاريخ، فمن مات أصله قبل سنة (1973م) وكان هذا الأصل أنثى؛ فإنه لا يرث، ولا يدخل في القسمة، ومن استحق شيئًا من الموجودين يوم إلغاء الوقف بمقتضى الفريضة الشرعية؛ ذكورًا وإناثًا، فله التصرف في نصيبه بالبيع والهبة ونحوه”.

عليه؛ فيقسم الحبس المذكور – المُفْتَى ببطلانه – على ورثة المحبِّس الذكور والإناث، الموجودين في تاريخ: 24/ 04/ 1973م، ويقدّر المحبّس ميّتا في ذلك التاريخ، فمن كانت حيّةً من بنات المحبس في التاريخ المذكور؛ فإن لورثتها المطالبة بنصيبها، ومن توفيت قبل هذا التاريخ؛ فليس لورثتها المطالبة به، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

حسن بن سالم الشريف

عبد العالي بن امحمد الجمل

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

08// ذو القعدة// 1446هـ

06//05//2025م  

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق