طلب فتوى
الأسئلة الشائعةالفتاوىالقرضالمعاملاتقضايا معاصرة

حكم تعامل المصارف بالقروض الربوية والفوائد البنكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى  (6038)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

نحن شركة ج س لصناعة مواد البناء المساهمة، قمنا في سنة 2008م بتنفيذ مشروع مصنع للآجر، وقد أتممنا ما نسبته 80 إلى 90% من أعمال التركيبات، واضطررنا حينها – حرصًا على سرعة الإنجاز – إلى الاستدانة من بعض الأشخاص؛ لتغطية المصاريف المتبقية، ولكن شاء الله أن تمر البلاد بفترة انفلات أمني، في عامي 2013 و 2014م، مما أدى إلى توقف المشروع كليًّا، وتعرضنا لسرقات وأضرار بالغة، كانت سببًا في خسائر جسيمة، ومنذ ذلك التاريخ تمر الشركة بصعوبات مالية كبيرة، جعلتها غير قادرة على الوفاء بأيٍّ مِن التزاماتها، بما في ذلك استكمال المشروع، أو سداد ديون الدائنين الذين يطالبوننا باستمرار بحقوقهم.

ومن هذا المنطلق؛ تقدمنا إلى عدد من المصارف لطلب قرض تمويلي لاستكمال المشروع، وتسديدِ الالتزامات المترتبة علينا، إلا أن أغلب المصارف لم تستجب، رغم طول فترة المتابعة، وحتى إنِ استجابت فإن التمويل لا يكفي لإتمام المشروع، وفي المقابل، أبدى أحد المصارف التجارية استعدادًا لمنحنا القرض المطلوب، ولكن بفائدة مالية محددة.

ونحن الآن في حيرة من أمرنا، فقبول القرض يعني الدخول في معاملة تتضمن فائدة، وهو ما نخشاه من جهة الحكم الشرعي، ورفضُه يعني استمرارَ توقفِ المشروع، وتفاقم الأضرار، وتعذر سداد الديون، مما يعرضُنا لمطالبات يومية، وضغوط متزايدة من الدائنين، إضافة إلى تآكل أصول المشروع بمرور الوقت.

وعليه؛ نلتمس منكم – مشكورين – إفادتنا بالرأي الشرعي الواضح في هذه المسألة، وهل يجوز لنا – في ظل هذه الظروف القاهرة والخسائر المحققة – أن نلجأ إلى هذا القرض، رغم ما فيه من فائدة؟ وهل هناك ما يمكن اعتباره استثناءً أو رخصة شرعية في حالتنا؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنه يشترط في القرض المشروع أن يَتَمَحَّض النَّفعُ فيه للمُقتَرِض، فإن حصل منه نفع للمُقْرِض، أو أجنبي من جهته، كما هو الحال في القرض من المصرف المذكور في السؤال؛ كان القرض محرمًا، لِخُرُوجِه عن أصل مشروعيته، وهو الإرفاق والإحسان، لما ورد أنّ كل سلف جر نفعًا فهو ربا، قال ابن عبد البر رحمه الله: “‌وكل ‌زيادة ‌في ‌سلف أو منفعة ينتفع بها المسلّف فهي ربا” [الكافي في فقه أهل المدينة: 2/ 728].

والربا كبيرةٍ من الكبائرِ، المجمَعِ على تحريمِها، قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ) [البقرة: 278 – 288]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ وكاتِبَهُ وشَاهِدَيهِ، وقالَ: هُم سَواءٌ) [مسلم: 1598].

وقد صدر عن المؤتمر الوطني العام القانون رقم (1) لسنة 2013، في شأنِ منع المعاملاتِ الربوية، وجاءَ في المادةِ الأولى منه: “يمنعُ التعاملُ بالفوائدِ الدائنةِ والمـَدينةِ في جميع المعاملات المدنية والتجارية، التي تجرى بين الأشخاص، الطبيعية والاعتبارية، ويبطلُ بطلانًا مطلقًا كلُّ ما يترتب على هذه المعاملاتِ، من فوائدَ ربويةٍ ظاهرةٍ أو مستترةٍ”، وقد طبق هذا القانون، فمنعت المصارف الليبية – بحمدِ الله – من تقديم قروض بفائدة، حتى انتكس مجلسُ النواب الليبي، فأصدر في جلستهِ المنعقدةِ يومَ الثلاثاءِ: 20 صفر 1445 هجري، الموافق: 5 / 9 / 2023 إفرنجي، استدراكًا على القانون المذكور، تضمَّنَ إباحة المعاملاتِ الربويةِ في المصارفِ التجاريةِ التقليدية، فحلل ما حرمه الله.

ولعل مصرف التجارة والتنمية استند في عرضه قرضًا بفائدةٍ على هذا الاستدراك الصادر من مجلس النواب، وقد أصدر مجلس البحوث والدراسات الشرعية التابع لدار الإفتاء الليبية بيانًا بإنكار ما صدر من البرلمان من تحليل القروض الربوية، جاء فيه: “إنَّ ما صدرَ عن مجلسِ النوابِ، قبل أنْ يكونَ استدراكًا على قانونِ المؤتمرِ الوطني العام، هو إعلانٌ ومجاهرةٌ بالحربِ لله ولرسولِهِ؛ وتقنينٌ لإباحةِ كبيرةٍ من الكبائر…

إنَّ ما صدرَ عن مجلس النوابِ، من تحليلِ الحرامِ المقطوعِ بحرمتهِ – فضلًا عن كونِه محاربةً للهِ ورسولهِ – يعدُّ انتكاسةً ورجوعًا إلى الوراء، بعد صدورِ قانونٍ بتحريمهِ، قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ) [محمد:25]، وتشريعُه، وإلزامُ الناس به من هذا المجلس، هُو رَدٌّ على الله قولَه، ومُضادةٌ لأحكامه..

يجبُ على مؤسساتِ الدولةِ؛ بدءًا بحكومة الوحدة الوطنية، ومصرف ليبيا المركزي، ومرورًا بسائرِ المصارف والمؤسسات المالية، وانتهاءً بسائر المؤسسات والأفرادِ؛ أن يرفضُوا العملَ بهذا القانون الجائرِ، المبدِّلِ لأحكام الشريعةِ الإسلامية، ويحرمُ على الجميعِ أن يمتثلُوا له، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ اللهِ) [رواه أحمدُ وابنُ ماجه].

عليه؛ فلا يجوز للشركة أن تلجأ إلى هذا القرض المحرم، وإن عانت من ظروفٍ قاهرة وخسائرَ محققة، وعلى أصحاب الشركة أن يسلكوا السبل الشرعية لإنقاذها، فمآل الربا للمحق والخسارة، قال تعالى: (يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [البقرة: 276]، ومن ترك الحرام اتقاءً لله e جعل الله له مخرجًا من مأزقه، وعوضه خيرًا منه، قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ) [الطلاق: 2-3]، وقال صلى الله عليه وسلم: (‌إِنَّكَ ‌لَنْ ‌تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءً لِلَّهِ، إِلَّا آتَاكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ) [مسند أحمد: 20746]، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد العالي بن امحمد الجمل

حسن بن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

15/ذو الحجة/1446هـ

2025/06/11م    

 

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق