طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (380)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (380)

[سورة الأعراف: 90-95]

(وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ)(90-93)

جملة (وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ) معطوفةٌ على جملة (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ) فعطِف خطاب الملإ لقومهم على خطابهم لشعيب عليه السلام، يُحذرونَ قومهم من شعيب، حتى لا تؤثر عليهم دعوته فيؤمنُوا، وهذا من الصَّدِّ عن سبيل الله، الذي وُصفوا به فيما تقدَّم في قوله (تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا)([1])والمَلَأُ: الجماعة من رؤوس القوم، وتقدّم تفسيره([2]).

ووُصِفوا هنا بالكفر (الَّذِينَ كَفَرُوا) بعد أن وُصفوا بالاستكبار في قوله (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ) لأنّهم جَمعوا بين الأمرين؛ الاستكبار والكفر، فوُصفوا في كلّ مرة بما يناسبُ المقام.

(لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) قال الملأ والوُجهاء من الكفرة للعامة والأتباع من قوم شعيب: لئن اتبعتم شعيبًا وآمنتم به، إنكم لخاسرون، والخُسران الذي حَذَّروهم منه هو خسران الدنيا، بتخلي الآلهة عنهم في زعمهم، لا خسران الآخرة؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث والحساب.

واللام في (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا) لام القسم، و(إن) شرطية، وجملة (إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) جواب القسم لا الشرط، بدليل عدم اقترانها بالفاء، وجواب القسم سدّ مسد جواب الشرط، اكتُفي به؛ لأنّه بمعناه، ولام (لَّخَاسِرُونَ) هي اللام المزحلقة، أصلها أن تكون في أول الجملة: لَإِنّكُم خاسرون، أُخّرت وزُحلقت لكراهة توالي حرفي تأكيد، و(إذًا) جواب لشرط مقدّر، إنّكم إن فعلتم إذًا لخاسرون.

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) مَا إن قالوا لقومهم ما قالوا في التحذير من شعيب، حتى أَخذتهم الرجفةُ؛ زلزالٌ من تحتهم، وصَعقةُ عذابٍ من فوقهم، وهي المشار إليها في الآية الأخرى بعذابِ يوم الظلة، قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ ‌یَوۡمِ ‌ٱلظُّلَّةِ﴾([3])، والظُّلَّةُ: السَّحابة، نَزلت منها صاعقةٌ صَعَقَتْهم، وجاءت الآية هنا (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِم) لأن الدار بمعنى البلدة فالزلزلة زلزلت بلدتهم كلها، وجمعت الديار في الآية الأخرى في سورة هود: ﴿‌وَأَخَذَتِ ‌ٱلَّذِینَ ‌ظَلَمُوا۟ ٱلصَّیۡحَةُ فَأَصۡبَحُوا۟ فِی دِیَٰرِهِمۡ جَٰثِمِینَ﴾([4])، لأن الصيحة كانت بمعنى الصعقة التي أصابت ديارهم وهي كثيرة.

وقد تقدّم قريبًا تفسير الآية فيما نزلَ بقومِ صالح مشابهًا لهم([5]).

(الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا) حالُ الذين كذّبوا شعيبًا بعد أن استُؤصلوا من قريتهم، حالُ مَن لم يكن أصلًا في القرية، ولم يكن موجودًا بها، كما قال تعالى: ﴿‌أَفَرَءَیۡتَ ‌إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِینَ ثُمَّ جَاۤءَهُم مَّا كَانُوا۟ یُوعَدُونَ مَاۤ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُوا۟ یُمَتَّعُونَ﴾([6]).

فبعد أن أخذهم العذاب صار حالهم كأنّهم لم يكونوا أصلا وُجِدوا في هذه القرية، ولا عاشوا ولا تقلّبوا فيما كانوا عليه من متاع الدنيا.

فـ(كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا) من غَنِيَ بالمكان كرَضِيَ؛ إذا طالَ مقامه فيه في عِيشة هانئة، فاستغنَى به عن غيره، وضمير (فِيهَا) عائدٌ إلى القرية والديار التي كانوا يعيشون فيها، وتَكرُّر (الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا) مرّتين هو تأكيدٌ لفظيٌّ، للرد على من زعَموا خسرانَ شعيبٍ ومَن آمنَ به، وتأكيدِ أنَّ الخسرانَ هو ما حَلَّ بهم من عذابِ الدّنيا بالاستئصال، وما يَحُـِلُّ بهم من عذابِ الآخرة، وأنَّ سببَ خُسرانهم هو التكذيب، وليس لهم سببٌ سواه.

والموصول (الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا) مبتدأٌ، والخاسرون: خبرٌ، وتعريف الجزأين: المبتدأ والخبر يفيد القصر، وهو قصر قلب، أفاد قلب الخسران الذي نسبوه لشعيب عليهم، وتأكد هذا بأمرين: ضمير الفصل (هم) وبمجيء المبتدأ اسمًا موصولًا، فإن صلة الموصول (كذّبوا) تشعر بعِلّيَّة الخبر، وهو قوله (كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ).

وقوله (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) تقدّم تفسيره قريبًا من كلام صالح ﷺ لقومه([7]).

(فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) أَنكر شعيب على نفسه أن يحزَنَ ويتأسفَ على هلاك قومه؛ لأنهم قوم كافرون، فهو لم يترك وسيلة إلا وأخذَ بها في دعوتهم للإيمان، ولكنهم أَبَوا إلا الكفر، فلا يَستحقون الأسى عنهم، ولذلك لام نفسه على التأسي عن كفرهم، فالاستفهام في قوله (فَكَيفَ) إنكاري، وآسَى في قوله (فَكَيْفَ ءَاسَى) فعل مضارعٌ للمتكلم من الأَسَى، وهو شدّة الحزْن والتألّم.

(وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ)(94-95)

بعد ذِكر عددٍ من قصص الأنبياء، وتكذيب أقوامهم لهم، وآخرُهُم قومُ مدينَ مع نبيهم شعيب صلى الله عليه وسلم، عطفت الآيات عليهم ما يُعدُّ كالحكمِ العام في إرسالِ الرسل إلى الأمم، الذي لا يكادُ يتخلّفُ، فقال (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ) فما من نبيّ من الأنبياء أرسلناه في مدينة إلى أهلها، في حال من الأحوال، إلّا كان حالهم أن ابتليناهم تارةً بالسراء؛ النعم وسَعة الرزق، والعافية في الأبدان، وإفاضة الخيرات، وتارةً بالضراء؛ البلاءِ، وضيق العيش، والأسقام، فَعَلنا بهم ذلك؛ لأجل أن تَحملهم النِّعم على الشكر، والبلايا على الرهبة والخوف من الله، فيتضرعوا ويتذلَّلوا له؛ خوفًا من بلائه، وطمعًا في دوام نعمائه.

فـ(مِن) في قوله (مِنْ نَّبِيٍّ) صلةٌ لتأكيد عموم النفي، واستغراقِه لكلّ أحوالِ الإرسال، والاستثناءُ في قوله (إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا) استثناءٌ مُفرغٌ من عموم الأحوال.

(ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا) جاءتهم الحسنات بدل السيئات حتى كَثُر خيرهم ونَما، فكفروا بالنِّعم ونسَبوها إلى الحياة التي واتَتْهم زينتُها ولم يَنسُبوها إلى الله.

والآية في ابتلاء الخلق بالنعم والنقم للتمحيصِ والامتحان، فالمؤمنُ يتهم نفسه بأن سبب ما ينزل به من شدّةٍ وذِلةٍ وكَربٍ وضيقٍ هو المعاصي والظلم، والتعدي على حدودِ الله وحُرماتِ المسلمين.

والمكذّب أو الغافلُ إذا نزل به البلاء وأصابته الضَراء، نسي ظلمه ومعاصيَه، وتعلّق بأسبابٍ أخرى، يَنسُب إليها ما أصابه، وقد يكون ما تعلق به أيضًا سببًا من الأسباب، ولكنّه ليس السببَ الأولَ الحقيقيّ، إنما هي أسبابٌ ثانوية ابْتُلي بها؛ لجرأته على السببِ الأول، وهو معصيةُ الله، فلم يتضرّع الكفرة والعصاة عندما أصابتهم الضرّاء من الله، بل قالوا: ما أصابنا من تبدّلِ الأحوالِ بالضراء والضيقِ، هذا أمرٌ لا علاقة له بالكفرِ والمعاصي، وإنّما الضرّاء هي من حوادثِ الزمان، فحوادث الزمان تارةً تأتي بالخير، وتارةً تأتي بالشدّة، فنَسبوا ما يُصيبهم إلى الأيام والدهر، لا إلى الله الخالق، واستدلُّوا على ذلك بأن آباءَهم كانوا كذلك، تُصيبهم البأساء والضراء، ولم يأتهم رسولٌ، وهذا من تمام ضلالهم، وقساوة قلوبهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَا یَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ یُفۡتَنُونَ فِی كُلِّ عَامࣲ ‌مَّرَّةً ‌أَوۡ مَرَّتَیۡنِ ثُمَّ لَا یَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ یَذَّكَّرُونَ﴾([8]).

فـ(حتى) في (حَتَّى عَفَوْا) لابتداء الغاية، وفعل (عَفَا) يأتي بمعنى ذهابِ الشيءِ وانمحائِه، كما في قوله: ﴿عَفَا ٱللَّهُ ‌عَمَّا ‌سَلَفَ﴾([9])، وقولِهم: عَفَتِ الديارُ، ويأتي بمعنى كثرَ ونَمَا، كما في هذه الآية، ومنه حديث: (وَأَعْفُواْ اللِّحَى)([10]).

وقولهم (قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا الضَّرَّآءُ) كان هو الغاية التي دلَّت عليها (حَتَّى) في تبدُّل الحالِ عليهم بالحسناتِ بعد السيئات ابتلاء لهم، فجحدوا النِّعم ولم ينسُبوها إلى الله، وقالوا هي عادة قديمة، كان عليها آباؤنا من قبل.

فقوله (مَكَانَ السَّيِّئَةِ) مفعولٌ ثانٍ لبَدَّلنا، و(الحَسَنةَ) مفعولٌ أول، وبدّل إذا نصبت مفعولين بنفسها، فالأول هو المأخوذ، والثاني هو المتروك، فالسيئة هي التي أذهبها الله عنهم، والحسنة هي التي أتتهم، والحسنة هي السَّرَّاء من الخِصْب، وسَعَة الرزق، والسيئة: الضَّرَّاء بضيق العيش، والابتلاء بالمصائب.

(فَأَخَذْناهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بَغْتَةً: فجأة، أهلكهم الله ونزلَ بهم العذابُ على غيرِ انتظار (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) وعدم شعورهم به من جهتين؛ من جهة أنهم لا يشعرون بأنَّ ما يُصيبهم من العذاب -سواء عذاب الاستئصال، أو عذاب الضراء، والمصائب وشدة العيش- هو بسبب معاصيهم، وتهالكهم على الحرام، وانتهاكهم لحرمات الله، ومن جهة أنه يأتيهم على غفلة أيضًا لا يشعرون بمقدّماته، ولا ينتظرونه، وعلى هذا المعنى الثاني تكون جملة (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) حالًا مُؤكِّدةً لمعنى البغتة.

 

[1])         الأعراف: 86.

[2])         الأعراف: 60.

[3])         الشعراء:189.

[4])         هود:94.

[5])         الأعراف: 79.

[6])         الشعراء: 205، 206، 207.

[7])         الأعراف: 79.

[8])         التوبة:126.

[9])         المائدة:95.

[10])       البخاري:5893.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق