طلب فتوى
الأسرةالطلاقالفتاوىالنكاح

حكم نكاح من ارتد بسب الدين أو غيره من موجبات الردة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (6057)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

كنت فيما سبق أسبّ الدين دون قصد منِّي، وهو جار على لساني على وجه العادة، ولكنني أتوب بعدها مباشرة وأندم على ذلك، واستمر معي الأمر حتى تبتُ إلى الله من السبّ مطلقًا قبل سنتين، فماذا يلزمني الآن، لكوني متزوجًا ولدي أبناء؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فلا شكّ أن سبّ الدين ردةٌ عن دينِ الإسلام، وخروجٌ من الملة – عياذًا بالله – قال ابن راهويه رحمه الله : “وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ سَبّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم … وَهْوَ مَعَ ذَلِكَ مُقِرٌّ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَنَّهُ كَافِرٌ” [التمهيد: 226/4]، ولا فرق بين كون السابّ للدين قاصدًا أو غيرَ قاصد له، أو أنّ السبّ جرى على لسانه عادة، فلا يعذرُ فيه بالجهل وزللِ اللسان، قال عليش رحمه الله: “… (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ ‌سَبُّ ‌الدِّينِ مِنْ غَيْرِ ‌قَصْدٍ هَلْ يُكَفَّرُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْقَصْدِ؟… فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ ارْتَدَّ؛ لِأَنَّ السَّبَّ أَشَدُّ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ رِدَّةٌ، فَالسَّبُّ رِدَّةٌ بِالْأَوْلَى، وَفِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَزَلَلِ لِسَانٍ. انْتَهَى” [فتح العلي المالك: 348/2].

وإذا تابَ الزوج وندمَ ورجع من ردته قبل انقضاء عدة زوجته؛ فلا يلزمه طلاق في هذه الحال، وهو باقٍ على نكاحه الأوّل، وهذا القول هو رواية عن الإمام مالك رحمه الله، وقول الشافعي رحمه الله، قال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: “… قال ابن الماجشون: إذا ارتدَّ الزوجُ ثم عاودَ الإسلامَ في عدتِها، فهو أحقُّ بها بالطلاقِ كلّه…” [النوادر والزيادات:592/4]، وقال القاضي عبد الوهاب رحمه الله في مسألة انفساخ العقد بارتداد أحد الزوجين: “… وذكرَ الشيخ أبو بكر عن مالك رواية أنه لا ينفسخُ إلا بخروجها من العدة، وهو قول الشافعي” [الإشراف على نكت مسائل الخلاف:710/2]، وقال الشافعي رحمه الله: “وَإِذَا ‌ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَنِكَاحُ امْرَأَتِهِ مَوْقُوفٌ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ” [الأم:167/7].

وعليه؛ فإن كان الحال كما ذكر؛ فإن الطلاق لا يلزمُ الزوجَ، لتوبتهِ من ردته أثناءَ عدةِ زوجته، وقبل انقضائها، بل يبقى على نكاحِه الأول، وتبقى زوجتُه في ذمته، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد العالي بن امحمد الجمل

حسن بن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

13//محرم//1447هـ

08//07//2025م     

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق