المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (381)
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
الحلقة (381)
[سورة الأعراف: 96-100]
(وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ)(96-99)
بعد أن ذكرتِ الآياتُ أنّ القُرى والمدنَ والبلدانَ الظالمةَ يأخذُها الله بغْتةً، فيُنزلُ بأهلِها العذابَ على حينِ غَفلة، وأنهم ـ لقساوة قلوبهم ـ لا يشعرونَ أنَّ حلولَ العذابِ بهم سببُه معاصِيهم، وتعدّيهم على محارمِ الله، عُطف عليه ما يُذكّرُ الظالمين بما يكونُ سببًا في رفع البلاء عنهم، وهو الرجوعُ إلى الله، فقال (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ) لو أنّهم آمنوا بالله، والتزمُوا مع الإيمان بأمرِ الله ونهيه، لنزلت عليهم الخيراتُ، لكنّهم امتنعوا فمُنع عنهم الخير، فامتنعتْ عنهم بركاتُ السماء؛ بنزولِ الرزقِ والخير والغيث، وسَعةِ العيش والبركات، وامتنعتْ عنهم بركاتُ الأرض؛ بالخِصْب والعِمَارةِ والنّماء، والأمن والاستقرار، وأصابَهم ضيقُ العيش ونَكَدُ الحياة؛ بسببِ ظلمِهم؛ لأنّهم لم يقِفُوا عند أمر الله ونهيه، ولو فعلُوا لفُتحتْ عليهمُ البركات.
فـ(لَوْ) في (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى) حرفُ امتناعٍ لامتناع، امتنَعوا عن الإيمان وعن الوقوف عند أمْر الله ونهيه؛ فامتنعت عنهم رحمةُ الله وهدايته، وصلاحُ حالهم، الذي ينتهي بهم إلى حُسنِ العاقبة.
(وَلكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِما كَانُواْ يَكْسِبُونَ) ولكن كفرُوا وعصَوا، فكان عصيانُهم سببًا في نزول العذاب بهم، فنزولُ العذاب سببُه كسبُهم وعملُهم، وما ظلمهُمُ اللهُ، ولكن كانوا أنفسَهم يظلِمون.
والاستفهام في (أَفَأَمِنَ أهْلُ الْقُرَى) للتعجيبِ من حال الظالمين؛ كيفَ بهم يُقيمون على المعاصي، وإغضابِ اللهِ تعالى، وهم يَرَوْن مصارعَ أهل القرى من الظالمين، فما الذي يَمنعونَ به أنفسهم مِن أنْ يصيبَهم العذابُ، ويبْغَتَهم بيَاتًا بالليل وهم نائِمون؟! أو مَا الذي يَمنعونَ به أنفسَهم أن يبغَتَهم وقتَ الضحَى، وهم غافلونَ، لاهونَ بحياتِهم، منشغلونَ بمَعاشِهم؟! لا أحد يَقدِر على منعهم من ذلك.
فـ(بَيَاتًا) منصوبٌ على الحالِ، فلا يأمنون أخذ العذاب حالةَ كونهم بائتين ليلًا، أو مبَيَّتِينَ في وقتِ نومِهم، و(ضُحًى) ضَحوةً، وهو وقتُ الضحى؛ المدّة بعدَ شروق الشمس وارتفاعِها قليلًا، ومنه قوله: ﴿وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا﴾ ([1])، و(يَلْعَبُونَ) غافلونَ لاهونَ، وقوله (أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ) تعجيبٌ من أمرهم؛ كيف يأمنونَ مكرَ الله وإنزالَ عقابه بهم، وهم يُغضبونهُ ويَعصُونَ أمره؟! كيف ينتظر الأمانَ مَن يُغضبُ الدَّيّان؟!
(فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) مَن استهوتهُ الدنيا، وأغراهُ الحُكمُ والسّلطان، أو السلاحُ والكتيبةُ، أو المالُ والجاهُ، أو القبيلةُ والعشيرةُ، ولم يَسُسْ نفسَه ولا أتباعَه ورعيتَه بأمْر الله، وانهمَك فيما يُغضبُ اللهَ سرًّا وجهرًا، وتمَرَّد على أوامر الله، فاختلسَ الأموالَ، وصرَفَها على شهواتِه وأعوانِه وملذَّاته، وظَلَم الرعيّة، فمنعَها حقوقَها، وأَذلَّها لتركعَ له وتنقادَ لأمره، أو أخافَ السبيلَ وقطعَ الطريق، أو والَى أعداء الله، ورَكنَ إليهم، واستعانَ بهم على قتل المسلمينَ مِن أبناء بلده، أو ناصرَ مَن يفعل ذلك ووالاهم، ودافع عنهم باليد والسلاح، أو باللسان والمقال، أو تسَتر على المجرمين والظالمين، وتحرّك لندائهم ونصرتِهم، وخاضَ المعاركَ مِن أجلهم، باسم البلدةِ أو القبيلة أو الكتيبة.
أو كان من الغُصّاب، فقطعَ الأشجار، وسعَى في الأرض بالفساد، واستولى على الأملاكِ وقسمَها قطَعًا، وقام ببيعها كأنها له مِن الميراث، ولم يعتبروا بمصارعِ الظالمين الذين مَكَّن الله لهم في البلاد، وعَمَرُوها أكثر ممَّا عمَرَها هؤلاء، ومَدَّ الله لهم في طولِ الأمدِ والإمهال، ومَكَّن لهم في الملك والسلطان، وكثرةِ الأتباع والأعوان، ما لمْ يُمَكِنّ لهؤلاء.
مَن لم يعتبر بذلك كله، وظن أنه أَمِن بطشَ الله بالظالمينَ، ومَكرَه بالمفسدينَ، وأخْذَه لهم مِن حيثُ لا يشعُرون، وزعَمَ مع ذلك أنه يُحسِنُ الظنّ بربه، فلمْ يَتُب، ويُصلحْ ما أفسدَ مِن فِعْلِ ذلِك – فهو مخدوعٌ مغرورٌ مِن الخاسرين، فإنّه لا يَأمنُ مكرَ اللهِ إلَّا القومُ الخاسِرون.
(أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ)(100)
ألَمْ يتبيّن لهؤلاء؛ من مشركي قريش ومَن في حكمهم، عاقبةُ المكذّبين، الذين سكنُوا الأرضَ مِن قبلِهم، أنّ الله لو شاءَ أهلكهم، كما أهلك مَن قَبلهم بسبب تكذيبهم، ولو شاء أيضًا لَطَبع على قلوبهم لعِنادِهم ومكابرتهم، فلا تهتدِي أبدًا.
وهو تهديدٌ وتخويفٌ لكفّار قريش، وفي حكمهم كلّ المكذبين والساعينَ في الأرضِ بالفسادِ، الصَّادِّين عن سبيل الله وعن دِينهِ أن يُقامَ في الأرضِ، فلَكَ أيّها المخاطَبُ أن تعجبَ مِن حال مَن خَلفَ القومَ الهالكين ووَرِثَ أرضَهم، كيف فَعَل الخَلَفُ فِعلَ الهالكينَ قبلَهم، ولم يتعِظُوا بهم، ولم يخافُوا أن يُهلكهم اللهُ كما أهلكَهم، أو أن يَطبعَ على قلوبِهم؛ لإصرارِهم على العِناد، وتمادِيهم في غيّهم؟!
و(فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) لا يسمعُون التذكير بالآياتِ سمعًا ينفعُهم، وإنّما يَسمعونَ سماعَ الأَنْعَام التي لا تَفقَه شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمۡ ءَاذَانࣱ لَّا یَسۡمَعُونَ بِهَا﴾ ([2])، فنُفيُ السماع عنهم في قوله (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) من آثار الطبع على قلوبِهم ومترتّبٌ عليه.
فالاستفهامُ في (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ) للتعجيبِ من حال الكفرةِ والظالمين، والواو بعد همزة الاستفهام للعطف، عَطفت حال الكافرينَ الموجودينَ وقت نزولِ الآية في الجزيرة العربية، على حالِ الماضين ممَّن أهلكَهم الله، المذكورينَ في قوله (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَّأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتاً وهُمْ نَائِمُون) لم يأمن أهلُ القُرى من الماضين مكرَ اللهِ وبأسَه، والعجبُ مِن هؤلاء في مكة لم يهتدُوا، ولم يتبيَّن لهم ما حَلَّ بمَن قبلَهم، ويصحّ عطفُ (أَوَ لَمْ يَهْدِ) على فعل محذوفٍ، تقديره: أعَمُوا ولم يتبَيّن لهم.
و(أَوَلَم يَهدِ للَّذين يَرِثُونَ الأَرْضَ) ألم يتبيَّن لهم، و(يَرِثُونَ) مِن الإرْث، وأصله تحوّل التركةِ للوارثِ بعد هلاكِ المُوَرِّث، ومعنى الميراث: الاستخلافُ والتعاقبُ على عِمارَة الأرضِ مِن الجُدُدِ اللّاحقين، بعد هلاكِ القُدامَى الأوّلِين، و(ألْ) في (الأَرْض) يصحُّ أن تكون للجنسِ، تصدقُ بأيّ بقعةٍ منها، ويصحُّ أن تكون للعهدِ، وهي مكّة وما حولَها من جزيرة العرب، وأنْ في (أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ) مخفّفةٌ مِن الثقيلة، اسمُها محذوف، فإنّه الحالُ والشأنُ إذا شئنا أصبناهُم بذنوبِهم.
و(أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ) عاقبناهم بالإهلاك بسببِ كفرهم، فإنّنا لو شئنا أهلكناهم في الدنيا بسببِ كفرهم، كما أهلكنا مَن قبلهم، والطبعُ في (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) كالخَتْم، هو الغَلْقُ على الشيءِ بإحكام، بحيثُ لا يدخلُ إليه شيء، والطَّبعُ على القلوب معناه منعُ دخول الإيمان إليها، فلا تهتدِي أبدًا، وجملة (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) مستأنفةٌ على تقدير: ونحنُ نطبعُ على قلوبِهم إذا تَمادَوْا على كفرِهم وعنادِهم.
[1]) الشمس:1.
[2]) الأعراف:179.