طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (382)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (382)

[سورة الأعراف: 101-102]

(تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ ‌نَقُصُّ ‌عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ)(101-102)

الإشارةُ بـ(تِلْكَ الْقُرَى) إلى مَن تقدمَ ذكرهم مِن الأمم التي أُرسلتْ إليها الرسل، منهم مَن ذُكر تفصيلًا، كقوم نوح وهود وصالح، ومنهم من ذُكر إجمالًا في قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ).

فتلكَ القرى والأمم الماضية التي كذبتِ الرسلَ، أخبَرَ الله تعالى نبيّه بأحوالِهم؛ ليقصَّها على قومه، فيعلم بذلك المكذّبون للنبي صلى الله عليه وسلم أنَّ أحوالَهم مشابهةٌ لمَن مضَى، ممَّن أهلكهم الله واستأصلهم بسبب التكذيبِ، ليعتبرُوا، فقد أرسل الله إلى الماضين رسلًا بالبينات والأدلّة الواضحة، الدالةِ على صدقِ الرّسل.

ولتصَلُّبِهم في الباطلِ ومكابرتِهم وعنادِهم، نُفِي عنهم الإيمانُ بلامِ الجحودِ على أبلغِ وجه (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) فسبق في علم الله أنهم لعنادهم لا يكونُ منهم إيمانٌ ولا ينبغي لهم ذلكَ لعدم استحقاقهم له، فطبع على قلوبهم فلم تقبَل الإيمان، وسبقَ في علمه أنه لا يوجد منهم وفاء بالعهود والمَوَاثيق التي أُخذَت عليهم حينَ خَلْقِهم، فكان أكثرهم فاسقين، كفروا بما جاءهم؛ فاستأصلهم الله، وكانَ الشأنُ ألَّا يكونُوا كذلكَ، لو كانُوا يعقلُون.

فما أفادتهم بعثة الرسل، ولا مجيء البينات، ولا غيرَتْ مِن حالهم شيئًا، لما هم عليه مِن العِناد والمكابرة، فإنهم لم يُوَفُّوا حتى بما عاهدُوا، قال تعالى مخبرا عن تعهدهم بالإيمان ونَكثِهم: ﴿لَئِن جَاۤءَهُمۡ نَذِیرࣱ لَّیَكُونُنَّ ‌أَهۡدَىٰ ‌مِنۡ إِحۡدَى ٱلۡأُمَمِۖ فَلَمَّا جَاۤءَهُمۡ نَذِیرࣱ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا﴾ ([1]).

فالقُرى في قوله (تِلْكَ الْقُرَى) أهلُها، لا بناؤُها وأرضها، و(نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا) مِن أخبارها؛ ليعتبر قومك بمصارعِ الظالمينَ ممَّن كذَّبوا الرسلَ، والْبَيِّنَات: المُعجزات والحُجج التي جاءت بها الرسل، الدالّة على صدقهم، وجملة (وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ) عطفٌ على (تِلْكَ الْقُرَى).

واللامُ في قوله (لِيُؤْمِنُواْ) لام الجحود، التي تأتي بعد كان ومشتقاتها لتفيد المبالغة في النفي، فإنّ (مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ) أبلغ وأشد في نفي الإيمان من أن لو قيل: فلم يؤمنوا.

وقطْعُ (قبلُ) عن الإضافة في قوله (بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ) يشير إلى تنوع وتعدد نَكثهم للعهود الذي يأتي في قوله (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) فيعم المضافُ إليه المقدر كلَّ تكذيب وقعوا فيه مِن قَبل، من قبل تذكيرهم وتخويفهم بالعذاب ومن بعد توعّدهم به، وتماديهمْ عليه من بعد.

وضمائر الجمع في قوله (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ) ترجع على أهل القرى التي كذبت الرّسل، لكنها على التغليب، فإنّ قوله (وَإِنْ وَّجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) يفيد أنّ منهم -وهم القليل- اهتدَوا وآمنُوا.

و(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) ومثلَ هذا الطبع الذي طُبع على قلوب أهل الكفر في قريش، ومَنَعَهم من الهداية، يطْبعُ اللهُ على قلوبِ كل الكافرين، فـ(أل) في (الْكَافِرِينَ) للجنسِ، تفيدُ عمومَ الكافرين.

(وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ) فما سبق في علمنا وفاؤهم بالعهد، والعَهْد: الميثاق والوعد المغلَّظ المؤكَّد، والعهد المنفيُّ وجوده منهم محمول على نفي وفائِهم به، فإنّ صورة العهدِ وجدت منهم.

وقد نفت الآية الوفاء بالعهد على من طَبع الله على قلبه من الكافرين نفيًا مؤَّكدا بـ(مِنْ) التي تدلّ على استغراق نفي الوفاء بعهد الإيمان ممن طبع الله على قلبه، سواء في ذلك العهد الذي يعطونه للأنبياء عندما كانوا يطلبون المعجزة، ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لو جئتنا بالمعجزةِ لصدَّقناك، أو عهدُهم قبل مجيء الرسولِ في قولهم: ﴿‌لَوۡلَاۤ ‌أَرۡسَلۡتَ إِلَیۡنَا رَسُولࣰا فَنَتَّبِعَ ءَایَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾([2]) أو العهدُ الذي أخذه الله على بني آدم في عالم الأرواح، يوم أن خلَقهم، بأن يكونوا على دين الفطرة والتوحيد، ولا يتبعُوا الشياطين، فلم يكن لمن طبع الله على قلبه وفاءٌ بعهدٍ من هذه العهودِ كلها.

و(إِنْ) في (وَإِنْ وَّجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) مخففةٌ من الثقيلة، فإنه الحال والشأن لقد وجدنا أكثرهم لفاسقين، والضمير في (أَكْثَرَهُمْ) لعموم الكافرين المتقدم ذكرهم من أهل القرى، مَن طبع الله على قلبه، ومَن لم يطبع ممن أرادَ هدايتَه، واللام في (لَفَاسِقِينَ) واقعة في جواب (إِنْ) وتدلّ على أنها مخففة، وليست نافية، ولذا تسمى اللامَ الفارقة، التي تفرق بين إن المخفَّفَة وإن النافِية، والفسق في قوله (لَفَاسِقِينَ) بمعنى الكفر.

 

[1])         فاطر:42.

[2])         القصص:47.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق