personal2

المنتخب من صحيح التفسير - الحلقة (83).

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (83).

 

(أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة:157].

 

(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) الإشارة إلى الصابرينَ في قوله: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، و(صلواتٌ مِن ربّهم) جمع صلاة، وصلاة الله على العبدِ مغفرةٌ لذنْبِه، وتزكيةٌ لنفسِه، وجمعُها (صلواتٌ) يدلّ على كثرتِها، لمن وُفّق للاسترجاعِ عند حدوث المصيبة، (ورحمةٌ) الرحمةُ اللطفُ والإحسانُ (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) هم الموفقون للطاعات، ومنها الرضا عند حلول المصيبة، وتكرير اسم الإشارة (وأُولَئِكَ هُم المهْتدُونَ) للتنويه بالمهتدين، وإظهار شرفهم، وأفاد تعريف جزئي الجملة (وأُولَئِكَ هُم المهْتدُونَ) مع ضمير الفصل (هم) أفاد القصرَ، وهو قصرٌ ادعائي، فيه تعريضٌ بأن الهدايةَ جانبت مَن حُرمَ الاسترجاعَ، وانشغلَ عنه بالشكوَى مِن المصيبة، أو انشغلَ بلومِ مَن ظنَّ أنه تسبّبَ له فيها، كما قالَ الله تعالى عن المنافقين: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ)[1]، وكما قال عن قوم موسى عليه الصلاة والسلام: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ)[2].

  وكلٌّ من الاهتداء وضدّه الضلال، له جزاءٌ في الآخرةِ بالثواب والعقاب، نصوصُ القرآن به قطعية، فضلًا من الله وعدلًا.

أما ما يصيب المرءَ مِن جزاءِ الدنيا؛ من خير أو سوء، فهو محكوم بالأسباب التي وضعها الله تعالى، وربطها بمسبباتها، وجودًا وعدمًا ، نجاحًا وفشلًا، ليتنافس الناس على تعمير الكون بما ينفعهم، لكن الأسباب ذاتها لا تحدث إلا بقدر الله، فقد يسوق القدر للمسيءِ أسبابًا تُنزل به المصائب، عقوبةً له، ويسوق للمطيع أسبابًا تجلبُ له خيراتٍ ومصالح، إحسانًا إليه ، وهذا كثير، ومَن راقب نفسَه وحاسبها يجدُ ما يجعلُه يوقنُ بذلك، كما قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ)[3]، لكن غيره أيضًا كثير، فقد يُمنع ويُضيّق على المطيعِ، ابتلاءً وتمحيصًا، رفعًا لقدرِه، ويُعطَى العاصي ويوسّع عليه، استدراجًا ومكرًا، قال تعالى: (قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا)[4].

 



[1]) النساء:78.

[2]) الأعراف:131.

[3]) الليل:5-10.

[4]) مريم:75.

صفحتنا على الفيس بوك

 

الصفحة البديلة لدار الإفتاء