طلب فتوى
الأسرةالأقضية والشهاداتالفتاوىالنكاح

التصرف في مال المفقود

النفقة على الزوجة من مال المفقود

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4518)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

ابن أخي رجل عسكري نظامي، ولم يشارك في الحرب على طرابلس، خرج من منزله بتاريخ: 4/6/2020م، رفقة زملائه بالعمل إلى مزرعة أحدهم بمنطقة تاجوراء، ومن ذلك اليوم لم يرجع للبيت، ولم نسمع عنه خبرًا، وقمنا بتبليغ كل الجهات الأمنية، ولم نتحصل على أية معلومة، وبعد فترة خرجت زوجته من البيت إلى بيت والدها، ثم عادت بعدها وأخذت بعض الأغراض المنزلية (ثلاجة، وغسالة، ومكنسة كهربائية)، ثم أمرناها بإرجاع ما أخذته، فأرجعته، فما حق الزوجة في هذه الحال، وما الواجب على أسرة الزوج الغائب؟

الجواب:

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فالمفقود إذا لم يشارك في القتال، أو فُقد في بلاد المسلمين من غير حرب، فمالُه يبقى موقوفًا مدة التعمير، وهي سبعون سنة على المشهور، قال ابن رشد رحمه الله: “وَأَمَّا مَالُهُ، [أَيِ: الْمَفْقُودُ] فَمَوْقُوفٌ، لاَ يُورَثُ عَنْهُ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ، أَوْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ مَا لاَ يَحْيَا إِلَى مِثْلِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ ذلك، فروي عن ابن القاسم سبعون سنة، وقاله مالك، وإليه ذهب عبد الوهاب، واحتج له بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ)؛ إذ لا معنى لقوله إلا الإخبار بما يتعلق به الحكم…” [المقدمات الممهدات: 1/532].

ولزوجة المفقود الخيار بين البقاء في عصمة زوجها، أو رفع أمرها للقضاء، حتى ينظر في حالها، ويضرب القاضي للمفقود أجل أربعة أعوام، تبتدئ من حين تاريخ العجز عن البحث عنه، بشرط أن يكون للزوج الغائب مالٌ ينفق منه على الزوجة، فإن لم يكن له مال طُلِّق عليه لعدم النفقة، ثم بعد انقضاء الأجل المضروب، وهو الأربع السنين، تعتد زوجته عدة وفاة أربعة أشهر وعشرًا، قال خليل رحمه الله: “وَلِزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ الرَّفْعُ لِلْقَاضِي، وَالْوَالِي، وَوَالِي الْمَاءِ، وَإِلَّا فَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُؤَجَّلُ الْحُرُّ أَرْبَعَ سِنِين، إنْ دَامَتْ نَفَقَتُهَا، وَالْعَبْدُ نِصْفُهَا، مِنَ الْعَجْزِ عَنْ خَبَرِهِ، ثُمَ اعْتَدَت: كَالْوَفَاةِ وَسَقَطَتِ بِهَا النَفَقَةِ”[مختصر خليل:119]، قال عِلِّيش رحمه الله: “وَلَهَا عَدَمُ الرَّفْعِ وَالْبَقَاءُ فِي عِصْمَتِهِ حَتَّى يَتَّضِحَ أَمْرُهُ”[منح الجليل شرح مختصر خليل:4/317].

والنفقة على الزوجة تكون من مال المفقود، إن كان له مال ويتسع حاله لذلك، قال ابن عبدالرفيع رحمه الله: “وَيُنْفَقُ مِنْ مَالِ المَفْقُودِ عَلَى أَزْوَاجِهِ، وَيُخدَّمْنَ إِنْ كُنّ مُخَدَّمَاتٍ وَكَانَ حَالُهُ يَتَّسِعُ لِذَلِكَ” [معين الحكام على القضايا والأحكام:1/319].

ويتولى القاضي أمر مال المفقود، ويعيّن من ينظر فيه، لحفظه من الضياع، وينفق منه على زوجاته، وأبنائه القصر، وبناته، قال أبو سعيد البراذعي رحمه الله: “وَيَنظُرُ الإِمَامُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ، وَيَجْمَعُهُ وَيُوقِفُهُ، كَاَن بِيَدِ وَارِثٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُوَكِّلُ بِهِ مَن يَرْضَاهُ، وَإِن كَاَن فِي وَرَثَتِهِ مَن يَرَاهُ لِذَلِكَ أَهْلاً أَقَامَهُ لَهُ، وَيَنظُرُ فِي وَدَائِعِهِ وَقِرَاضِهِ، وَيَقْبِضُ دُيُونَهُ، وَلاَ يَبْرَأُ مَن دَفَع مِن غُرَمَائِهِ إِلَى وَرَثَتِهِ، لِأَنَّ وَرَثَتَهُ لَمْ يَرِثُوهُ بَعْدُ” [التهذيب: 2/432].

وعليه؛ فإن كان الحال كما ذكر، فلا يًتصرف في مال المفقود، وليس للزوجة ولا غيرها من الورثة حق التصرف في متاع البيت من أثاث وغيره؛ لأنه موقوف حتى يتبين أمره بحياة أو موت، أو تمضي مدة التعمير وهي سبعون سنة، وتخيّر الزوجة بين أن تبقى في عصمة زوجها حتى يظهر حاله، أو أن ترفع أمرها للقضاء؛ ليضربَ للمفقود أجلًا وهو أربعة أعوام، بعد بذلِ الوسع في البحث عنه، بشرطِ أن يكون للزوج الغائب مال ينفق على الزوجة، فإن لم يكن له مال طلّق القاضي عليه لعدم النفقة، وتصبح أجنبية منه، وإن كان له مال تنتظر الفترة المضروبة، وهي أربعة أعوام، وتكون نفقتها من مال الزوج، ويتولى أمرها القاضي، وتعتد بعد انقضاء الأجل عِدةَ وفاة، وبدخولها في العدة تصبح أجنبية عن زوجها، ولا ترثه إذا مات بعد ذلك، والله أعلم.

وصلَّى الله على سيّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم

 

                                             

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد بن ميلاد قدور

حسن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

19//شوال//1442هـ

31//05//2021م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق