طلب فتوى
الأسئلة الشائعةالبيعالفتاوىالمعاملاتقضايا معاصرة

السحب الفوري لبطاقات أرباب الأسر في السوق الليبي

سحب مخصصات النقد الأجنبي بطرقة فورية مقابل نسبة مئوية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4290)

 

            ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

انتشرتْ هذه الأيام معاملةُ سحبِ بطاقاتِ أربابِ الأُسر، ومخصصاتِ النقدِ الأجنبي للرقم الوطني، داخل السوق الليبي بطريقةٍ فورية، عبر أجهزة موجودةٍ داخل محلاتِ العملة، مقابلَ نسبةٍ مئويةٍ، فما حكم هذه المعاملة؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنّ هذه المعاملة عبر هذه الأجهزة الموجودة داخل السوق الليبي، التي تستعمل للسحب الفوري، تشوبها عدة محذوراتٍ شرعيةٍ، وهي:

1ـ إن هذه الأجهزة هي في حقيقتها نقاطُ بيع [point of sale]، وسحبُ العملات النقدية عن طريقها مخالفٌ للعقدِ المبرمِ بين ممارسي النشاطاتِ التجارية وبين المصرف، وادعاءُ البعض أنّ المصرفَ على درايةٍ بهذه النشاطات – إنْ صحّ هذا الادعاء – لا حجةَ فيه، وذلك لوجودِ طرفٍ ثالثٍ يمنعُ هذه المعاملة، وهو مصدرُ البطاقاتِ الائتمانية، كـ(الفيزا والماستر وغيرها)، والعقدُ شريعة المتعاقدين، ما لم يخالفِ الشرع؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) [أبوداود: 3594]، قال القَاسِمُ بنُ مُحمدٍ: “مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَفِيمَا أُعْطُوا”[الموطأ: 1447]، كما أن بها مخالفةً للقوانين المعمولِ بها داخلَ البلاد، فالجهاتُ الرقابية تمنعُ دخول نقاطَ بيعٍ خارجية، وقد نصَّ العلماءُ على أن لولي الأمرِ تقييدَ المباحِ غير المنصوصِ عليه، وهو ما سكتَ عنه الشارع، وكان داخلًا في العفوِ العام، الذي دلَّ عليه أثرُ ابن عباس رضي الله عنهما: “فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ” [أبوداود:3800].

2ـ تمرير البطاقةِ على هذه الآلة إيهامٌ بأنّ ثمتَ عملية شراءٍ قد حصلتْ، وهذا احتيالٌ وغشّ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من غشَّنا فليسَ منَّا، والمَكرُ والخداعُ في النَّارِ) [ابن حبان:5559]، وفي الحديث: (أَهلُ النّارِ خَمسَة، وذكر منهم: وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِى إِلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ) [مسلم: 2865].

3ـ جلُّ أجهزة (POS) الموجودة لدى تجار العملةِ، تبيَّنَ بعد السؤال والمتابعةِ أنّ ملكيتها تعودُ لبنوك تجاريةٍ، تقوم بعملياتِ غسيل أموالٍ ضخمة، عبر هذه الأجهزةِ، وفي استعمالها تعاونٌ على الإثم والعدوان، الذي نهانا الله عز وجل عنه بقوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

4ـ يلزم مِن هذه المعاملة المشبوهة -في بعض صورها – إقراضٌ لصاحبِ البطاقة، إن كاَن المبلغ كبيرًا؛ نظرًا لوجود سقفٍ محددٍ للشراءِ لا يمكنُ تجاوزه، فيُعطَى صاحبُ البطاقة مقدمًا كاملَ القيمة، مخصومًا منها النسبة المئوية المتفق عليها، على أن تُسحبَ فيما بعد، والقاعدةُ تنصّ على أنّ (مَن عجلَ ما لم يجبْ عليه عدَّ مسلفًا) وهو سلفٌ جرَّ نفعًا، وكلُّ قرضٍ جر نفعًا فهو ربا.

5ـ أن استيفاء الدولارات عن طريق هذه الأجهزةِ يوقعُ في ربا الفضلِ المحرم، فهو بيع دولارات بدولاراتٍ مع التفاضل، وقد جاء في قرار المجمع الفقهي رقم: (9)، في دورته الثالثة المنعقدة في عمان سنة 1407هـ، ما نصه: “بخصوص أحكام العملاتِ الورقية: أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام المقررة للذهبِ والفضةِ مِن حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامها”، قال صلى الله عليه وسلم: (لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ) [مسلم: 1585].

عليه؛ فإن هذه المعاملة محرمةٌ شرعًا؛ لما اشتملت عليه من المفاسد الكثيرة؛ ومنها الغشِّ، والتعاونِ على الإثمِ والعدوان، ومحاربةِ الله ورسوله بأكلِ الربا الصريح، وعلى مَن تورطَ في شيء منها التوبةُ إلى اللهِ، والرجوعُ عما بدرَ منه، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد ميلاد قدور

حسن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

03//ربيع الآخر//1442هـ

18//11//2020م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق