طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير – الحلقة (10)

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

 الحلقة (10)

 

 

(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)[البقرة:3-4].

 

(الَّذِينَ يُؤْمِنونَ بِالْغَيْبِ) الغيبُ ما غابَ عنْك؛ لغيابِه عن المشاهَدة، ومنهُ الغابةُ، والغيابة: مجتمعُ الشجرِ يغابُ فيه، مَن دخله فلا يُرى، فالغيبُ كلّ ما أخبرَ به الوحي، مما يجبُ الإيمانُ به، ولا تهتدِي إليه العقولُ، ممّا هو واقعٌ أو مُتوقَّع، والغيبُ الذي يمتنعُ الخوضُ فيه؛ هو ما استأثَرَ اللهُ بعلمه، ولم ينصبْ عليه دليلًا، سواء كانَ متعلقًا بالماضِي أو الحاضرِ أو المستقبلِ.

 

ولا يدخلُ في الغيبِ ما نصبَ الله تعالى – بمقتضى العادةِ – عليهِ دليلًا أو علامةً، فالممنوعُ منه ما كان دعوى ورجمًا بالغيب، أمّا ما نصبَ الله تعالى لهُ أمارةً ودليلًا، أو كان ممّا علَّمه اللهُ الناسَ بالحسابِ، كالإخبارِ عن حسابِ منازلِ القمرِ، وغيرها من الكواكب، أو الإخبارِ عن العادةِ التي أجراها الله تبارك وتعالى في وقت معيّن؛ كنزولِ مطرٍ، أو هبوبِ ريح، فليسَ مِن الرجمِ بالغيبِ المنهيِّ عنه، بل مِن التوقعِ بجريانِ السننِ الكونية، على العادةِ التي أجراها الله تعالى، وربطَ فيها الأسبابَ بالمسببات.

فالذين يؤمنونَ ويصدقونَ تصديقًا كاملًا، بكلّ ما جاءتْ به الرسلُ، ولو لمْ تدركْه عقولُهم، مِن الأمورِ الغيبيةِ، ويؤدُّونَ فرائضَ ربِّهم، مِن إقامةِ الصلاةِ، ويحسنونَ إلى خلقِه بالنفقاتِ والصدقاتِ؛ هم المفلحونَ والمهتدونَ حقًّا، وقد بيَّن حديث جبريلَ أصولَ الغيبِ الذي يجبُ الإيمانُ به؛ وهي الإيمانُ باللهِ، وملائكتِه، وكتبِه، ورسلِه، والقدرِ خيرِه وشرِّه، واليومِ الآخرِ وما فيه.

والإيمانُ بالغيبِ أفضلُ الإيمانِ وأوثقُه، وقد أثنَى اللهُ تعالى عليهِ في غيرِ موضعٍ؛ (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ)[1].

 

وحقيقة الإيمان؛ التصديقُ بما جاءَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، المتضمنُ للإقرارِ بذلكَ باللسانِ، وانقيادِ الجوارحِ، هذا هو الإيمانُ الذي وعدَ اللهُ أهلَه أن يدخلَهم الجنةَ، دون أن يعذبَهم.

(ويُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) إقامَة الصلاةِ إظهارُها، والمحافظةُ عليها على وجهِها، في أوقاتِها، بشروطِها وآدابِها، وليس مجردَ أدائِها، وإلى هذا الإشارةُ في قولِ عمرَ رضي الله عنه: “مَن حفظَها وحافظَ عليها حفظَ دينَه، ومَن ضيعَها كانَ لِما سواها أضْيَعَ”[2].

والصلاةُ؛ أصلُها في اللغةِ الدعاءُ، ومنهُ حديثُ إجابةِ الدعوة: (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ)[3].

وحقيقتُها الشرعيةُ تضمُّ – مع الدعاءِ فيها – هيْئاتٍ مخصوصةً، تشتمل على قراءةٍ وركوعٍ وسجودٍ، مُفتَتحة بالتكبير، مُختتَمة بالتسليمِ.

(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) الرزقُ؛ ما حصلَ الانتفاعُ به؛ مِن طعامٍ، وشرابٍ، وملبسٍ، وما سوى ذلك، مما يحصل به للإنسانِ أو الحيوانِ نفعٌ، قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا)[4]، والرزقُ كلّه مِن عندِ الله، مباحًا كانَ أو محظورًا.

قال تعالى: (وَفِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)[5]، ولا يصيبُ العَبد منه إلا مَا قدرَه اللهُ تعالى له، قال تعالى: (وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ)[6]، وقال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)[7]،  والسعيُ إليهِ مع التوكلِ على اللهِ مأمورٌ بهِ مطلوبٌ، ولا يجوزُ القعودُ عنه، اتكالًا على القدَرِ، فذلك من الجهل بمعنى التوكل، قال تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)[8]، وفي الحديث: (أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَب)[9].

(يُنفِقُونَ) الإنفاقُ؛ بذلُ المالِ تَبرُّرًا وتقرُّبًا، ويشملُ الإنفاقَ الواجب؛ كالزَّكواتِ، والنفقةِ على القرابةِ والعيال، وغيرَ الواجبِ؛ كالإنفاقِ مِن فضلِ المالِ في مصالحِ المسلمين، وفي سبيلِ الله، وعلى ذَوِي الحاجاتِ والقراباتِ، وأفضلُ النفقةِ النفقةُ على الأهلِ والعيالِ؛ لِما رواهُ مسلمٌ مِن حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ؛ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِى أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ)[10].

(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) يُصدّقُون بالقرآنِ، الذي نزلَ به جبريلُ عليك، وأنّه كلامُ الله تعالى حقيقةً، وصفةٌ من صفاتِه، وقد سماه القرآن كلام الله، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ)[11].

وهوَ وإن لم ينزِلْ كلّه عند نزولِ هذه الآية، فالتعبيرُ عنه بالماضِي (أُنزِلَ)؛ لِتحقُّقِ نزولِ باقِيه، فكأنه نزلَ بالفعلِ، ولأنّ الإيمانَ بالبعضِ إيمانٌ بالكلّ.

(وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) كُتُب مَن سبقَكَ مِن الأنبياءِ؛ كالتوراةِ والإنجيل، ويدخلُ فيهم مَن آمَن مِن أهلِ الكتابِ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ مِن أمثالِ عبدِ الله بنِ سَلام، وصُهَيب الرومِي، ودِحيةَ الكَلبِيّ، مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.

(وبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) الآخرةُ؛ ما قَابَلَ الدّنيا، سُمّيت كذلك لتأخُّرِها، كمَا سُميَت الدنيا لِدُنُوّها، وتبدأُ آخرَة العبدِ مِن حينِ موتِه، فالإيمانُ بما يكونُ بعدَ الموتِ، إلى أنْ ينتهيَ أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ، وأهلُ النارِ إلى النارِ، هو معنَى اليقينِ بالآخرةِ.

 

[1] [الأنبياء:49].

[2] [الموطأ:6].

[3] [مسلم: 1431].

[4] [هود:6].

[5] [الذاريات:22].

[6] [الحجر:21].

[7] [الزخرف:32].

[8] [الملك:15].

[9] [ابن ماجه:2144].

[10] [مسلم:995].

[11] [التوبة:6].

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق