طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير – الحلقة (126)

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

 الحلقة (126)

 

(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة:235-236].

 

(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ) بعد أن أمر الله تعالى المتوفى عنها زوجها بالتربصِ، وحرّم خطبتها في العدة، قال: لا حرج ولا أثم في التعريض بخطبة المعتدة، والتعريض: هو إفهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازًا، أي: هو ما يُفهم من الكلامِ بطريق وأسلوبٍ غير مباشر، خلاف التصريح، مثل أن يقولَ الرجلُ لامرأةٍ في العدة: إنك جميلةٌ، أو إنّك مرغوبةٌ نافقة، أو: لا تسبقيني بنفسك، كما ذكر ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس في عدتها، يُعرّضُ ليخطبها فيما بعد لأسامة بن زيد (مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) الخِطبة بالكسر: طلبُ المرأةِ مِن وليِّها للزواج بها، والخُطبةُ بالضم: الكلام الذي يلقى عند طلبِ الزواجِ بالمرأةِ، و(النِّساء) هنا هُنَّ المعتداتُ مِن عدة الوفاةِ (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) لا جناح عليكم أيضًا ولا حرجَ فيما أضمرتموه في أنفسكم، مِن الرغبة في نكاح المعتدة، ولم تبيحُوا به، لا تصريحًا ولا تلميحًا (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) أذن لكم في التعريض، وأذنَ لكم في إضمار نية الزواج بالمعتدات من وفاة دونَ أن تفصحُوا عن ذلك؛ لعلمِ اللهِ تعالى تعلقَكم بهنّ أحيانًا، وأنكم تحتاجون لذكرهنّ، فأباح لكم منه القدر الذي لا يضرّ بالحكمة المقصودة من منع النكاح في العدة، رفعًا للحرج عليكم (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا)([1]) أي: لا تواعدوهن في السر والخفاء ما نهيتم عنه في العلن، من عقد النكاح، والتصريح بالخطبة في العدة (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) إلا المواعدة بقول معروف، مأذون فيه، لا يخرج عن عرف الشرع، وهو التعريض الجائز على نحو ما تقدم، فهو جائزٌ مستثنًى من النهي.

(وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)([2]) العزم: القصد والإرادة، نُهوا عن إرادة ونيةِ عقد النكاح في العدة، وإن لم يعقدوا بالفعل؛ ليكون النهيُ أبلغَ في الابتعاد عن نكاح المعتدة (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) حتى تنتهي مدة العدة، فالنهي عن عقد النكاح والتصريح بالخطبة في العدة، ينتهي ببلوغ هذه الغاية، وهو ما كتبه وفرضه الله من انتهاء أمدِ العدة (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) هذا تنبيهٌ وتحذيرٌ لمن تسول له نفسه مخالفة ما تقدم من أحكام الطلاق وأحكامِ العدة، ووعدٌ بالحلم والعفو لمن تقيّد بما حدّه الله، ووقَفَ في خِطبةِ المعتدةِ عند الرخصة، فعرَّض ولم يصرّحْ. (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) لا حرج عليكم في الطلاق، ولا تبعة مالية عليكم فيه، إذا لم تسموا للمرأة صداقًا وقت العقد، ولم يحصل منكم دخول في هذا النكاح، الذي لم تسموا فيه المهر، وهو ما يعرف بنكاح التفويض، فقوله: (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) من المسيس، وهو الجماع والدخول بالزوجة، وقوله: (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)([3]) أي: ليس عليكم مهرٌ إن طلقتم النساء ولم تمسوهنّ، ولم تفرضوا لهن فريضة، أي: لم تسمُّوا لهن مهرًا وقت العقد، ففي هذه الحالة – حالة عدم التسمية للمهرِ المصحوبة بالطلاق قبل الدخول – لا مهر للمرأة، هذا ما دلّ عليه منطوق الآية، ودلَّ مفهومها على أنه يلزمكم المهرُ أن طلقتُم النساء في حالتين:

الأولى: إذا حصل مسيس ودخول بالزوجة مطلقًا، فرضتم لهنّ أم لم تفرضوا؛ لأنه ليس هناك وطءٌ يخلو عن مهر، وفصّلت أدلة أخرى أن الدخول يلزم به المسمّى كاملا في نكاح التسمية؛ كقوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) ويلزم بالدخول مهرُ المثل في نكاح التفويض، الذي لم يسم فيه مهرٌ عند العقد.

والحالة الثانية التي دل عليها المفهوم: وجوب المهر إذا فرضتم لهن وسميتم مهرًا عند العقد، سواء حصلَ دخولٌ أم لا، وفصّلت أدلةٌ أخرى أن الواجب مع عدمِ الدخول نصفُ المهر، كما يأتي في قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ).

(وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)([4]) ومتعوهن أمر بالمتعة، وهي ما يعطيه الزوج للمطلقةِ؛ جبرًا لخاطرها المنكسرِ بألمِ الفراق، وجملة (ومتعُوهنّ) عطف على (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) الدالة على الطلاق المقيدِ بقوله: (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) فالأمر بالمتعة متجهٌ ابتداء إلى هذا الصنفِ مِن المطلقات، اللاتي طُلقنَ قبلَ الدخولِ، ولم تُفرض لهن فريضةٌ تعويضًا لما فاتهنّ، حتى لا يخلو عقد النكاح عن العوضِ، وحمل الجمهور الأمر بالمتعة في الآيةِ على الوجوبِ لظاهرِ الأمر، وتأكّدهِ بقوله (حَقًّا)، وقولِه (عَلَى) الدالة على الاستعلاء والتمكنِ، وحملَه المالكيةُ على الندبِ، بقرينة تقييدِهِ بالمحسنينَ، المشعر بأنّه إحسانٌ وليس واجبًا، ولو كانت المتعةُ واجبةً لكانت حقًّا على جميعِ الناس، لا على المحسنينَ خاصةً، وهي عندهم للمطلقة قبل الدخول، التي لم يسم لها مهر كما تقدم، وللمدخول بها، التي لم تطلبِ الطلاقَ، كما دلَّ عليه عموم قوله تعالى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) أما من طلبت الطلاق أو فدت نفسها بالخلع، فلا متعة لها؛ لأنها الراغبة في الطلاق، والزوج هو المتضرر.

وقوله: (عَلَى الْمُوسِعِ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) أي: مَن له سَعةٌ وغِنى تكون المتعة على قدر يسره وغناه، والمقتر وهو من به قلةٌ وحاجةٌ، تكون المتعة عليه بقدر حاله، فهي غير مقدرةٍ بقدرٍ واحدٍ ثابتٍ على الغنيّ والفقير، وتكون بالمعروف الذي يعرفه الشرع، وتقره المروءةُ، لذا لا ينبغي أن تفوتَ أهلَ الإحسان والفضلِ.

 

[1]) أي لا تواعدوهن في العدة نكاحا ومعاشرة، فيكون (سِرًّا) على هذا مفعولا به، ويصح وهو الأظهر أن يكون سرًّا وصف لمصدر محذوف.

[2]) يصح أن يكون العزم على أصله، بمعنى القصد الجازم، الذي لا تردّد معه، فيكون قوله: (عقدة النكاح) منصوبًا على المفعولية، بتضمين عزم معنى أبرم، ويصح أن تبقى عزم على معناها دون تضمين، وتكون عقدة النكاح منصوبة على نزع الخافض، والتقدير: لا تعزموا على عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله.

[3]) (أو) العاطفة هنا في سياق النفي إما أن تكون بمعنى إلّا أو إلى، التي تضمر بعدها أن الناصبة للفعل، أي: إلّا أن تمسوهن، أو إلّا أن تفرضوا لهن فريضة، وإما أن تكون أو بمعنى الواو، عطفت (تفرِضُوا) على (تَمَسُّوهُنَّ) المنفي، فينسحب حكم النفي على (تفرضوا) أيضًا؛ لأن المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه في النفي والإثبات، كما في قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)، أي: لا تطعهما معًا، فالنهي عن طاعتهما معًا، لا عن طاعة أحدهما دون الآخر.

[4]) (حَقًّا) صفة لـ(مَتَاعًا)، أو مصدر لفعل محذوف، ومَتَاعًا منصوب على المصدر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق