طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير –  الحلقة (30)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (30)

 

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة:34].

 

لمّا ظهرَ فضلُ آدمَ، بتعليمِ الله إيّاه ما لمْ تعلمْه الملائكة، طلبَ الله من الملائكة أن يُظهروا هذا الفضلَ بالسجودِ لآدم، وذكر إباءَ إبليس وامتناعَه عنِ السجود، وأنّه لعصيانه أمْرَ اللهِ تعالى بالسجودِ استحقّ غضبَ اللهِ تعالى، فكانَ مِن الكافرين، والآية (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ…) معطوفةٌ على قوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ (.

وفي الأمر بالسجود لآدم تنبيهٌ على أنّ الاعترافَ بالفضلِ لأهلِه هو مِن أعظم الخصال المحمودة، وأنّ جحدَهُ والتنكرَ لهُ حَسَدًا وتكبُّرًا مِن أخسِّ النقائصِ المذمومة، المستوجِبةِ لغضبِ اللهِ تعالَى ونقمته.

ونسب الباري سبحانه القول إلى نفسه: (قُلْنَا) بضمير العظمة، تفخيمًا وتعظيمًا لشأنهِ؛ لأنّه مستحقٌّ لذلك، ولأنه تضمّن أمرًا فيه غضاضةٌ على نفس المخاطَب، وهو السجودُ لآدم، فناسبَهُ إظهارُ عظمةِ القائل.

والكلام في قول الله هنا وخطابِه للملائكة؛ كالقولِ المتقدمِ في قوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ).

(اسْجُدُوا لِآدَمَ) السجودُ: الخضوعُ والتذلّلُ، ومنتهاهُ وضعُ الجبهةِ على الأرضِ؛ تذلُّلًا للمعبودِ، وسجودُ الملائكةِ لآدمَ ليسَ سجودَ عبادةٍ بالاتفاق، وإنّما هو سجودُ تحيةٍ وتبجيلٍ، كسجودِ أبوَي يوسفَ ليوسُفَ، في قوله: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)[1].

واختلفوا؛ هلْ بلغوا به غايتهُ، وهو وضعُ الجبهةِ على الأرض، وهو ظاهرُ قولِه تعالى: (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)[2]، أو لم يبلغوا به ذلك، وإنّما هو على هيئة انحناءٍ وإيماءٍ، وعليه الأكثرُ، ولا يعارضُه قوله: (فَقَعُوا)، وقولُه عن يوسف: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)؛ لأنّ الجاثي على ركبتيهِ تحيّةً، يُسمى خارًّا وواقعًا للسجودِ، وعلى الاحتمالينِ فالسجودُ لغيرِ اللهِ – ولو على وجهِ التحيةِ والانحناء – منسوخٌ في شريعتنَا، نَهَى عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم.

فعندما قدم معاذ بن جبل على النبي صلى الله عليه وسلم مِن الشامِ سَجَدَ معاذ له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا هَذَا؟)، قال معاذ إنّه رأَى أهلَ الشامِ يفعلونَه مع أساقفتهِم، فنهاه صلى الله عليه وسلم، وقال: (لَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا)[3]، وبه يتبين قبح ما يفعله بعض المريدين لمشايخهم، مِن الانحناءِ لهم عند اللقاء، وما جرت به عادة بعضِ الملوكِ مِن الرّضا بذلك، لمن يحييهم ويدخل عليهم للسلام، وربّما جرَى عرفُهم بفرضِه على كلّ قادمٍ عليهم، كلُّ ذلك معصيةٌ لا تحلّ، وهو مِن صفاتِ الجبابرةِ والمتكبِّرينَ، قال الله تعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ)[4].

(فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى) أطاعَ الملائكةُ الأمرَ بالسجودِ، وخضعُوا وتذلّلوا، لكنّ إبليسَ (أَبَى)؛ امتنعَ عن السجودِ وتكبّرَ، وقال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)[5]، وعدمُ سجوده -وإن كان قد دلّ عليه الاستثناء في قوله: (فَسَجَدُوا إلَّا إِبلِيسَ)؛ لأنّ الاستثناءَ مِن الإثباتِ نفيٌ اتفاقًا- لكن أكدَ هذا النفي بقوله: (أَبَى)؛ ليُفيدَ أنّ امتناعَه عن السجودِ ما كانَ لعجزٍ ولا عُذرٍ، بل تكبُّرًا وإِبَاءً (واسْتَكْبَرَ) تعاظَمَ واستعلَى، فالسينُ والتاءُ للمبالغةِ، كما في: استجابَ، واستقرَّ، واستحوَذَ.

ومادةُ الكبْرِ في اللغةِ لم تأتِ إلا مصحوبةً بما يفيدُ المبالغةَ، وهي السينُ والتاءُ (استكبرَ)، أو على وزن التفعّل (تَكَبَّر)؛ للدلالة على أنّ كلّ متصفٍ بصفةِ الكبرياءِ، غيرِ الله تعالى؛ هو مدّعٍ متكلّف الكبرِ، وليسَ كبيرًا حقًّا.

والكبْرُ عرّفَه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (بطرُ الحقّ، وغمْطُ الناسِ)[6]، أي: تسفيهُ الحقّ، والتعالي عليه، واحتقارُ الناسِ وازدراؤُهم، فكلّ مَن سَفه شيئًا مِن أمر الله تعالى، أو أمرِ رسولِه صلى الله عليه وسلم، أو شيئًا مِن أمرِ الشرع؛ كانَ في ذلك على طريقِ إبليسَ، وهذا ممّا لا خلافَ فيه.

والفرقُ بين خطيئةِ آدمَ وإبليس؛ أنّ خطيئة آدمَ عليه السلام معصيةٌ، فكانت التوبةُ منها قريبةً، تَلَقَّى مِن ربِّه كلماتٍ عنوانًا على التوبةِ فتابَ عليهِ، وخطيئة إبليسَ استكبارٌ واستعلاءٌ، فكانت مستعصيةً على الرجوع والإنابةِ، فاستحقّ بها اللعنةَ، لذا قالوا: إذا كان خلاف الرجلِ في كبرٍ فلا تَرْجُهُ، وإن كان خلافه في معصيةٍ فارجُه، قال مالك: “بلغني أن أولَ معصية كانت الحسد والكبْرَ والشحّ، حسدَ إبليسُ آدم، وتكبرَ وعصَى الأمر بالسجودِ، وشح آدم بأكله من شجرة قد نهي عن قربها”.

والاستثناءُ (إِلَّا إِبلِيسَ) منقطعٌ؛ كما في قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ)[7]؛ لأن إبليس لم يكن من الملائكة، لقوله تعالى: (إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)[8]، فهو أبو الجن، كمَا أنّ آدم أبو البشر، وقيل: الاستثناء متصل، لأنّه الأصلُ  في الاستثناء، وعليه فإبليسُ مِن الملائكةِ، وحمَلوا الآية: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ) على أنّه فعلَ فِعلَهم، وأنّ الإضافةَ قد تكون لأدنى ملابسةٍ، والصحيحُ الأولُ؛ لأنّ الملائكةَ مخلوقةٌ مِن نور، وأنهم كما أخبر القرآنُ: (لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[9]، وإبليس أخبرَ عن نفسِه بما يخالفُ ذلك، أخبر عن نفسه بقوله: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ)[10]، وأخبر بالتمردِ، فقال: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا)[11]، فكيفَ يكونُ ممن لا يعصون الله ما أمرهم؟  فإبليس لا يرجعُ مع الملائكة إلى أصلٍ واحدٍ، لأنهم مجبولُون على الطاعةِ خِلقةً، لا يستطيعونَ الانفكاك عنها، ولا الخروج منها، وهو قد اختلفَ عنهم في ذلك، فجعلَ اللهُ تعالى فيهِ القدرةَ على الخروجِ عن الطاعة والتمردِ، وقد خَرَجَ بالفعل، فأمرُهما ليسَ واحدًا.

وإبليس؛ قيل: اسمٌ أعجميٌّ، ولذا اتفقُوا على منعِه مِن الصرفِ، وقيل: عربيّ مشتقّ مِن أبلسَ بمعنَى أبعدَ، ونُحِّيَ عنِ الخيرِ، ومنه قوله تعالى: (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)[12].

(وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) صارَ مِن الكافرينَ، فكان بمعنى صارَ؛ كما في قوله تعالى: (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)[13]، وقوله: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا)[14].

وأُتِي بـ(كَانَ مِنَ الكَافِرِينَ) بدلَ: (وكفَرَ)، كما في: (أَبَى وَاستَكبَرَ)، لِما في استعمالِ (كَانَ) هنا مِن دلالةِ تمكّنِ الكُفر منه، أيْ: كَفَرَ كُفرًا غليظًا لا مثيلَ له، وهذا كمَا في قوله تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)[15]، فقد دلّت (كانَ) على تمكنِ صفةِ بقاءِ امرأتِه مع الهالِكِينَ، وكقولِه تعالى: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ)[16]، للدلالة على أنّها إذا رأتْ عرشَها أُحضرَ إليها ولم تَهتدِ، يكونُ اتصافُها بعدمِ الاهتداءِ مُتمكِّنًا منها إلى بلوغِ الغايةِ، بخلافِ ما لو قيلَ: أَتَهتَدي، أو: أنْ لَا تَهتدِي.

وقيلَ في الآية أيضًا: (مِنَ الكَافرِينَ)، دونَ (وكانَ كافِرًا)؛ لأنّ وصفَه بأنّه مع جماعةِ الكافرينَ، أقوَى في اتصافِه بالكفرِ مِن وصفِه بهِ وحدَهُ؛ لأنّ مَن كانَ مع غيرِه في أمرٍ كانَ أشدَّ تمسكًا به، لِما يرَى مِن صوابِ حالِه، لِتوافُقِ غيرِه معه، ومن هذا قولُه تعالى: (أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)[17].

 

[1] [يوسف:100].

[2] [الحجر:29].

[3] [الترمذي:1155، وقال: حسن غريب].

[4] [الزمر:60].

[5] [الأعراف:12].

[6] [مسلم:91].

[7] [النساء:157].

[8] [الكهف:50].

[9] [التحريم:6].

[10] [الأعراف:12].

[11] [الإسراء:61].

[12] [الأنعام:44].

[13] [هود:43].

[14] [الواقعة:5،6].

[15] [الأعراف:83].

[16] [النمل:41].

[17] [النمل:27].

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق