طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير (الحلقة – 304)

 

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

الحلقة – 304

[سورة المائدة: 87 – 89]

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ)(87)

لمّا مدحَ اللهُ تعالى الرهبانَ من النصارى، وكانوا قد عُرِفوا بالزهدِ والرّهبنة، والانصرافِ عن متاع الدنيا، وانقطاعِهم لعمل الآخرة، فقد يبعثُ هذا الثناءُ عليهم المسلمينَ على تركِ الحلالِ وتحريمِ الطيبات، لِيكونُوا مثلهم طلبًا لمرضاة الله، وكان ناسٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد حدثتْهم أنفسُهم بذلك، وأراد بعضهم أن يختصيَ ولا يتزوج، وبعضُهم ألَّا ينام الليل، وبعضهم أن يصومَ ولا يفطر، فنهاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقد جاء في سبب نزول الآية: (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)([1])، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: “جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَذَكَّرَ النَّاسَ، وَوَصَفَ الْقِيَامَةَ، وَلَمْ يَزِدْهُمْ عَلَى التَّخْوِيفِ؛ فَرَقَّ النَّاسُ وَبَكَوْا، فَاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيِّ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَمَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَصُومُوا النَّهَارَ، وَيَقُومُوا اللَّيْلَ، وَلَا يَنَامُوا عَلَى الْفُرُشِ، وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَلَا الْوَدَكَ، وَلَا يَقْرَبُوا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَيَلْبَسُوا الْمُسُوحَ وَيَرْفُضُوا الدُّنْيَا، وَيَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ وَيَتَرَهَّبُوا، وَيَجُبُّوا الْمَذَاكِيرَ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، إِنَّ لِأَنْفُسِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَقُومُوا وَنَامُوا، فَإِنِّي أَقُومُ وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَآكُلُ اللَّحْمَ وَالدَّسَمَ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ وَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ وَالطِّيبَ وَالنَّوْمَ وَشَهَوَاتِ الدُّنْيَا، أَمَا إِنِّي لَسْتُ آمُرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ وَلَا رُهْبَانًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي دِينِي تَرْكُ اللَّحْمِ وَالنِّسَاءِ وَلَا اتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ، وَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الصَّوْمُ وَرَهْبَانِيَّتَهَا الْجِهَادُ، وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَأُولَئِكَ بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارَاتِ وَالصَّوَامِعِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا الَّتِي حَلَفْنَا عَلَيْهَا، وَكَانُوا حَلَفُوا عَلَى مَا عَلَيْهِ اتَّفَقُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: (لَّا یُؤَاخِذُكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌بِٱللَّغۡوِ فِیۤ أَیۡمَٰنِكُمۡ)”([2]).

وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم مثلَ ذلك لعمرو بن العاص وعثمان بن مظعون رضي الله عنهما، كما في صحيح السنة، لمَّا سمع منهما ذلك، وقال: (فمَن رغبَ عن سنّتي فليسَ مِنّي)، وفي بعض الروايات: (إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ)([3])، فليس من الزهد تحريم الطيبات التي أحلها الله، في المأكل والمشرب، ولا لِبْس رثّ الثياب في الملبس؛ قال تعالى: (قُلۡ مَنۡ ‌حَرَّمَ ‌زِینَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِی أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِ وَٱلطَّیِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِ)([4])، ويقول: (وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا ‌تُسۡرِفُوۤا۟ إِنَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ)([5])، والله يحبّ أن يرى أثرَ نعمته على عبده، يشكره عليها.

وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا وجدَ أَكَلَ اللّحمَ وشرِبَ العسل، وكان يلبَس الحلةَ للجمعة والوفدِ، وإذا لم يجدْ مضَى عليه الشهرُ لا يوقَد في بيتِه نار، فالزهدُ أن تكونَ الدنيا في يدِ المسلمِ لا في قلبِه، يأكلُ ويشربُ ولا يسرفُ، ويعودُ بفضلِ مالهِ على مَن لا مالَ له.

وقوله (حَلَالًا) منصوبٌ على الحال، والاعتداء في قوله (وَلَا تَعْتَدُوا) أصله مجاوزةُ الحد، وهو هنا مجاوزة الحد في أحكام الله تعالى، تحريمًا وتحليلًا، في المطاعم وفي غيرها، وأعظمها حقوق الله وحقوق عباده، قال تعالى: (تِلۡكَ ‌حُدُودُ ‌ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَا)([6])، وفي الآية نداء من الله للمؤمنين رحمةً بهم، ألا يحرّموا على أنفسهم ما أحلّ الله لهم مِن اللذائذ والطَّيِّبَات، وألا يعتدوا؛ لا بتحريمِها في ذاتِها، ولا بتجاوزها إلى ما حرّمه الله، فكلاهُما اعتداء، والله لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.

(وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ)(88)

جملة (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) عطف على قولِه (وَلَا تَعْتَدُوا) للتأكيد على المخاطبين – وهم المؤمنون – بالتقيّد بالحلال، والأمرُ بالتقوى في قوله (وَاتَّقُوا اللهَ) يشعر أنَّ حرمان النفس من الطيبات الحلالِ تدينًا مُنافٍ للتقوى؛ لأنّ تحريمَ الحلال كتحليلِ الحرام.

وقوله (الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) تذكيرٌ لهم بالإيمان، الذي مِن شأنه أن يحملهم على التقوى، والتقيدِ باجتناب ما نُهوا عنه من التعدي على أحكام الله.

(لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِي أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَ فَكَفَّٰرَتُهُ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ)(89)

عدم المؤاخذة عن اليمين في قوله (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) تشملُ أمرين؛ رفع الإثم وعدم الكفارة، ولغو اليمين عند جماعة من أهل العلم ومنهم الشافعية: ما سبقتْ وغلبتْ على اللسان دونَ قصد، مثل: لا والله، بلى والله، وعند جماعة آخرين ومنهم المالكية: اللغوُ ما كان الحلف فيها عن شيء في الماضي، ظن الحالفُ حدوثَهُ وأنه صادقٌ فيه، فتبين خطؤه.

والباء في قوله (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) للسببية، وما مصدرية، وعقدتم: عزمتم ناوين توثيق ما عزمتم عليه باليمين، والتضعيف في عَقَّدْتُمُ للمبالغة، أي: يؤاخذكم بسبب عزمكم ونيتكم انعقادَ اليمين، إذا نكثتم ما عقدتموه وحنثتم فيه، والمؤاخذة عليها تكون بالإثم في اليمين الكاذبة، وهي الغموس، التي يتعمد صاحبها الكذب بالحلف على أمر ماض أنه فعله، وهو لم يفعله، وليس لها كفارة إلا التوبة عند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله، قالوا: سميت غموسًا لأنها تغمسُ صاحبها في النار، إنْ لم يتبْ، خلافًا للشافعي، الذي يوجبُ فيها الكفارة.

والمؤاخذة كذلك على اليمين المنعقدة، وهي اليمين المتعلقة بفعل شيء في المستقبل أنه يفعله أو لا يفعله، ثم لا يبرّ به، وهذه تجب فيها الكفارة؛ لقول الله تعالى (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) والفاء في (فَكَفَّارَتُهُ) للتفريع، والضمير يعود على الحِنث المفهوم من السياق، أو على مضافٍ محذوفٍ، أي: فكفارة نَكث اليمين وخُلفه إطعامُ عشرة مساكين.

والكفارة من الْكَفْر، ومعناها السترُ والمحو، أي: فسترُ اليمين ومحوُ إثمه عند الحِنث إطعامُ عشرة مساكين، وإطعامُ مصدرٌ ناصب مفعولين، أولهما عشرة المضاف إليه، وثانيهما محذوف، أقيمت صفته وهي قوله (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ) مقامَه، تقديره: فكفارة اليمين أن تطعموا عشرة مساكين طعامًا من أوسط ما تَطعمون، وجملة (فَكَفَّارَتُهُ) جملة خبريةٌ لفظًا طلبيةٌ معنًى، و(مَسَاكِينَ) جمعُ مسكين، مِن المسكنة وهي الحاجةُ والضعف، والمسكينُ يشملُ الفقير؛ لأنهما إذا افترقَا اجتمعَا، وقد تقدمَ معناه والفرق بينهما في قوله: (لَّیۡسَ ‌ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ) في سورة البقرة([7]).

وقوله (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) أي الكفارة تكون طعامًا من الطعام الوسطِ الذي يأكله أهلُ الحالفِ، لا مِن الفاخر الذي يؤكلُ في أوقاتٍ خاصةٍ، ولا مِن الدونِ الذي يكتفَى به في أوقاتٍ أخرى، وإنما المعتاد في أغلب الأوقات، و(أَهْلِيكُمْ) جمع أهل، أي ما يُطعمُه الإنسانُ أهلَه، وإطعام العشرة مساكين أن يعطي صاحبُ الكفارة لكل مسكينٍ من العشرة مدًّا من أوسط قوتِ عياله، مثل القمح أو الأرز أو التمر، وعند الحنفية نصفُ صاعٍ؛ مُدّانٍ مِن بُرّ، أو صاعٌ؛ أربعةُ أمدادٍ من شعير، أو يغديهم ويعشيهم من طعامٍ جاهزٍ يعدّه لهم.

و(أو) في (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) للتخيير، فللمكفِّر عن يمينه أن يختارَ الإطعامَ أو الكسوة للمساكين العشرة، أيَّ النوعين شاء، وعن ابن عمر رضي الله عنهما في الكسوة قال: “إزارٌ و قميصٌ، أو رداءٌ و كساءٌ”([8])، وهذا ليس لازمًا بل المطلوبُ من نوع الكسوةِ الوسطُ مما يلبسُهُ الناس في كلِّ وقتٍ بحسبه، أو يختارَ عتقَ رقبةٍ مؤمنة يتصدق بها، وهذه الأنواع الثلاثة كلها على التخيير، ومثلها يُعرَف عند الأصوليين بالواجب المخيَّر، الذي يسقطُ فيه الوجوب عن المكلفِ بفعلٍ واحدٍ منه غير معين، وإن كانت تختلفُ في الأجر، فأعلاها أكثرها إنفاقًا وهو العتق، فالكسوة، فالإطعام.

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) أي: فكفارته صيامُ ثلاثة أيام، ويجوزُ صيامُ الثلاثة الأيام متفرقةً عند جمهور أهلِ العلم، واشترط الحنفية تتابعَها، وقرئ شاذًّا: ثلاثة أيام متتابعات، وعَدُّوا هذه القراءةَ من التفسير للآية وليستْ قرآنًا، والتكفير بالصوم يكون عند العجز وعدم القدرة على الأنواع الثلاثة المتقدمة عليها، فقوله (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) يدلُّ على أن الصومَ لا يجزئُ للقادر على الإطعامِ أو الكسوةِ أو العتقِ.

والإشارة في قوله (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ) إلى المذكور من أنواع الكفارة أي المذكور هو كفارة أيمانكم إذا حلفتم ولم تبرّوا في اليمين، ويجوز عند كثير من أهل العلم تقديم الكفارة على الحِنث؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)([9])، ولأنّ الحنثَ شرطٌ في الكفارة وليس سببًا، والشرط يجوز تقديمه عن مشروطه وتأخيره، كالحول في الزكاة، يجوز إخراجها قبله، بخلافِ السببِ، فلا يجوز تأخيره عن الحكم، كدخولِ الوقت لا يجوزُ تقديمُ الصلاة قبله.

(وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) لا تكثروا الحلفَ من غير سبب، فتقعُوا في الحِنث، أو إذا حلفتُم فاحرصُوا على البرّ في اليمين، ولا تقعوا في الإثم بالحنث، أو راعوا أيمانكم بأداء الكفارة عليها عند الحِنث، وقوله (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي: مثل هذا البيان المتعلق باليمين والكفارة يبين الله لكم الأحكام ومعالمَ الشريعة (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ليعينكم بيانُ الأحكام على ألَّا تتحيروا، بأن تجدُوا مخارجَ من الإثم بالطاعة، فتؤدُّوا شكرَ نِعم اللهِ عليكُم.

[1]) البخاري: 5063، مسلم: 3384.

[2])    أسباب النزول للواحدي: 203، 204.

[3])    البخاري: 1968.

[4])    الأعراف: 32.

[5])    الأعراف: 31.

[6])    البقرة: 229.

[7]) ينظر ما سبق في تفسير سورة البقرة، آية:177.

[8]) تفسير الطبري: 10/550.

[9]) البخاري: 6622، مسلم: 1649.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق