طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

 المنتخب من صحيح التفسير- الحلقة (314)

بسم الله الرحمن الرحيم

 المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

الحلقة (314)

 

[سورة الأنعام:1-2]

 

سورةُ الأنعام من السورِ الستّ الطِّوال، وسُميت بالأنعام لتكررِ ذكرِ لفظ الأَنْعَام بها ستَّ مرات، وسماها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم، وهي مكية، قال ابن عباس: (نزلت سورة الأنعام جملة واحدة)([1]).

وترتيبها في نزول السور الخامسة والخمسون، نزلت بعد سورة الحجر، وآيُها 165، وهي أجمع سُوَر القرآن لقواعد التوحيد، ولجهالات العرب قبل الإسلام، وما كانوا عليه من الشرك، وفِي الحديث أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: “إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ وهو قوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ}”([2]).

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ)(1)

الحمدُ لغةً: الثناء بالجميل اختيارا وتعظيمًا، و(ال) في الحمد للجنس، ولامُ (لِلهِ) للاستحقاق، ولام الجنس ولام الاستحقاق يفيدان معًا استغراقَ كل المحامدِ خالصة لله وحده، فهو المستحق للحمد دون سواه، ذلك أن (ال) الاستغراقية الداخلة على المسند إليه تفيدُ القصر، وهو قصرٌ حقيقيّ، فالحمد الكامل لا يستحقه إلَّا الله، وتقدّم الكلامُ على الحمدِ في أولِ الفاتحة.

والخلق في قوله (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) إنشاءُ وابتداء أمرٍ بتقدير وإتقانٍ وحكمة، على غير مثال سابق، والجعل قريب منه في المعنى، والفرق بينهما أن الخلق فيما يَستقلُّ بنفسه، كخلق الإنسان وخلق السماوات والأرض، والجعل فيما يكون مضمنا إيجاده في شيءٍ آخر، وتصييره قائمًا به مضافًا إليه، لا مستقلًّا بنفسه، ولذلك قال في الظلمات والنور (جَعَلَ) لأنها مضمنة وقائمة بغيرها وهي الأزمنة، ولذا قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)([3])، ففي خلق النفس الأولى وهي آدم ذكر الخلق، وفي خلق ما أضيف إليها من الزوج ذُكر الجعل، فالزوج لا يكون زوجًا إلا بإضافته لآخر.

وأفردت الأرض بالنظر إلى أنها كوكبٌ واحدٌ، وجمعت السموات لأنها مجراتٌ وكواكب، وقُدمت الظلماتُ لأنها مقدمة في الوجود، فالكون قبل خلق الكواكب كان في ظلام مطبق، وفي الحديث: (إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ)([4])، وجمعت الظلمات لتفاوتِها في القوة والضعف وتعدد مصادرها، كما قال تعالى: (ظُلُمَٰتُۢ ‌بَعۡضُهَا ‌فَوۡقَ بَعۡضٍ)([5])، وأفرد النور لأن مصدره واحدٌ، وهو النار.

وقد جاء ذكر الظلمات والنور في القرآن بمعنى الهداية والضلال، وعلى هذا المعنى فيكون إفراد النور لأنَّ طريق الهداية واحد، وجمع الظلمات لأنَّ الضلال سبلُه كثيرة، قال تعالى: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِی مُسۡتَقِیمࣰا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ‌ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِ)([6])، وجملة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) عطف على قوله (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، و(بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي يُسوّون بالله غيره، من عدل بمعنى سوَّى، ومنه العِدلُ: المساوي والمماثل، فالذين كفروا يسوُّون بالله غيره، ويجعلون له ندًّا من مخلوقاته.

فالعجب كل العجب بعد هذا البيان، ومعرفة أن خالق الكون سفليه وعلويه وأن مسخره للحياة بجعل الظلمات والنور فيه هو الله وحده، ثم بعد ذلك يعدلون ويسوون به سواه، فيشركون به، ويسوون بينه وبين معبوداتهم الباطلة، وهي مخلوقة له، فحرف العطف ثُم للاستبعاد، أي: كان الشرك منهم مستبعدا بعد ما رأوْا من آيات قدرته ما رأوْا لو كانوا يعقلون، فأسلوب الآية أُسلوب تعجبٍ من فعلهم، الذي هو على خلاف مقتضى العقل والعادة.

(هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ)(2)

قوله (خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) الطين هي المادّة الأولى التي خلق منها آدم، وضمير الجمع (خلقَكم) للبشر من بني الإنسان، باعتبار أصلهم وهو آدم، والآية تقيم الحجّة على المشركين ومنكري البعث؛ لأنّ إنكارهم البعث قائم على مثل قولهم: من يقدر على أن يحيي العظام وهي رميم وصارت ترابا، فقد قالوا: (أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا ‌تُرَابࣰاۖ ‌ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِیدࣱ)([7])، فذكرهم الله بما يُسقط دعواهم ويسكتهم، وهو خلقهم الأول، فإنهم خلقوا من طين من تراب، وأيهما أهون في عرف الناس: الاختراع الأول وبدء الخلق، أم إعادة الصنعة؟! قال تعالى: (وَهُوَ ٱلَّذِی یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُ وَهُوَ ‌أَهۡوَنُ عَلَیۡهِ)([8]).

ثم بعد أن خلقهم وفاهم آجالهم، فوفى لكل أحد أجله وأماته، والأجل يطلق على المدة المقدرة التي يعيشها الإنسان، ويطلق على آخرها ونهايتها، و(قَضَى أَجَلًا) يصحُّ أن تكون بمعنى قدّرَ أزلًا، وعليه تكون (ثم) للترتيب الذكري في سرد الخبر، لا للترتيب الزمني والإيجاد، فإن تقدير الأجل في علم الله سابق على الخلق، كما ورد في الصحيح: (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)([9]).

وقد جاءت (ثُم) على هذا الوجه للترتيب الذكري في مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: (فَلَا ٱقۡتَحَمَ ‌ٱلۡعَقَبَةَ وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوۡ إِطۡعَٰمࣱ فِی یَوۡمࣲ ذِی مَسۡغَبَةࣲ یَتِیمࣰا ذَا مَقۡرَبَةٍ أَوۡ مِسۡكِینࣰا ذَا مَتۡرَبَةࣲ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ)([10]).

ويصح أن تكون (قضَى) بمعنى أظهر، أي أظهر قضاءَ الآجالِ التي تموتُ فيها الخلائقُ للملائكةِ وأعلمَهم بها، كما مر في حديثِ الخلق، وعليه تبقى (ثُمّ) على بابها للترتيب الزمني.

(وَأَجَلٌ) نكرة موصوفة مبتدأ، و(مُسَمًّى) محدد، من السِّمة، وأصلها العلامة التي تحدد وتعيّن الموسوم، وهو الأجل، وقوله (عِنْدَهُ) أي أجل كل أحد مسمى ومحدد عند الله في علمه، و(عِنْدَهُ) هو خبر المبتدأ (أجل)، والكثير في النكرة إذا وقعت مبتدأ أن يتقدم خبرها إذا كان ظرفًا بأن يقال وعنده أجل مسمى لا أجل مسمى عنده، وذلك كما في قوله تعالى: (لَهُ تِسۡعࣱ ‌وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةࣰ)([11]).

وتقديم النكرة (أَجَلٌ) هنا لنكتة، هي الاهتمام بالأجل وتعظيمه، أي: وأجل عظيم تبعث فيه جميع الخلائق، ثابت عنده لا يتغير، يوم يبعث الله فيه الموتى من قبورهم إلى المحشر لحسابهم، وقوله (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) أي بعد ذلك كله تشكّون وتكذّبون بالبعث، وهو من المِرية الترددُّ والشك، وأُتي ب(ثُمَّ) في قوله (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) للاستبعاد والتعجيب من تشكيكهم في البعث والامتراء فيه، بعد ما سيق من الدلائل عليه ما يكفي في التسليم به لكل منصف.

[1]) تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي: 456.

[2]) البخاري: 3334.

[3])    النساء: 1.

[4])    الترمذي:6242، وقال: حديث حسن.

[5])    النور: 40.

[6])    الأنعام: 153.

[7])    ق: 3.

[8])    الروم: 27.

[9])    البخاري: 3208، ومسلم: 2643.

[10])  البلد: 11-17.

[11])  ص: 23.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق