طلب فتوى
الفتاوىالمواريث والوصايا

الوصية بالتصدق بجميع المال بعد الوفاة

الوصية ماضية في الثلث لغير وارث

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4640)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

قامتْ والدتي حالَ حياتها ببيع جميعِ ما آل إليها بالإرثِ مِن والدها ووالدتها وزوجها، وتصدقتْ بثمنه على المحتاجينَ وبناء المساجد وحفر الآبارِ، وغيره من أوجه البر، وأوصتْ أن يتصدقَ بما تبقى مِن مالها، بعد وفاتها على أوجه البرِّ، وألَّا يأخذَ أبناؤها منه شيئًا، وبعد وفاتها قام الابنُ الموكل مِن قِبلها بالتصرفِ في الحسابِ، بسحبِ الأموالِ والتصدقِ بها حسبَ الوصيةِ، ثم أعلمَ بقيةَ الأبناءِ بما فعلَ، فما الحكم الشرعي لما قامتْ به الوالدةُ، وما قام به الوكيل؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن الله تعالى قد جعل للمسلم الحق في الوصية بثلث ماله؛ ففي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ، عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ، زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ) [ابن ماجه:2709]، ولا يجوز له الوصية بأكثر من الثلث؛ لقولِ النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقد أراد أن يوصي بماله كله: (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) [البخاري:2742]، ويردّ ما زاد على الثلثِ إلّا إذا أجازه الورثة؛ فعن عمران بن حصين رضي الله عنه: (أن رجلًا أعتَقَ ستة مملوكينَ له عند موته، لم يكن له مالٌ غيرهم، فدعا بهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فجزأهم أثلاثًا، ثم أَقْرَعَ بَيْنَهُم، فأعتقَ اثنين، وأرَقّ أربعةً، وقال له قولًا شديدًا) [مسلم:1668]، والوصية بما زاد على الثلث مِن الإضرار، وقد نهى الله تعالى عنِ الإضرار في الوصية؛ فقال تعالى: (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) [النساء:12]، قال القرطبي رحمه الله: “قوله تعالى: (غَيْرَ مُضَار)… أَيْ يُوصِي بِهَا غَيْرَ مُضَارٍّ، أَيْ غَيْرَ مُدْخِلٍ الضَّرَرَ عَلَى الْوَرَثَةِ… فَالْإِضْرَارُ رَاجِعٌ إِلَى الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ، أَمَّا رُجُوعُهُ إِلَى الْوَصِيَّةِ فَبِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ” [تفسير القرطبي:5/80].

فيأثم من أوصى بأكثر من الثلث قاصدًا الإضرار بالورثة، وكذا من أعانه وأشار عليه، ومن وثقَ الوصيةَ إن كانوا عالمين بقصدِ الإضرار؛ لقول الله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة:2]، ولا يجوز للورثة ردُّ الوصية كلّها ولو ثبت قصد الموصي الإضرار؛ لأن الإيصاء بالثلثِ مأذونٌ فيه، والمأذونُ فيه بالشرعِ لا يكون ضارًّا؛ قال القرطبيّ رحمه الله: “مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُوصِيَ لاَ يُعَدُّ فِعْلُهُ مُضَارَّةً فِي ثُلُثِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ” [تفسيره:5/81].

ولا يجوز لأحد من الورثة أن يتصرفَ في الميراث قبل قسمة الميراث، بأي وجه من أوجهِ التصرف، إلا إذا أذنَ به باقي الورثة، وفعل ذلك يعدّ من التعدي على حقوق الآخرين، ويقع باطلًا كل تصرفٍ يترتبُ عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرىءٍ مُسْلمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) [السنن الكبرى للبيهقي:11545].

وعليه؛ فما قامتْ به الوالدةُ حال حياتها مِن بيعِ ما آلَ إليها بالإرثِ والتصدقِ بثمنه جائزٌ ماضٍ، وأما وصيتها بالتصدقِ بكل مالها بعدَ وفاتها فينفذُ منها بقدر الثلثِ الموجود من مالها بعد موتها، ولا ينظر إلى ما تصدقت به قبل الموت، والزائد على الثلث متوقفٌ على إجازةِ بقيةِ الورثة، فلكَ الحق في مطالبةِ أخيك بحصتكَ فيما زاد على الثلث؛ لأنه ضامنٌ بتعديهِ، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد ميلاد قدور

حسن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

11//صفر//1443هـ

19//09//2021م

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق