طلب فتوى
الأسرةالطلاقالفتاوى

هل يجوز للزوجة طلب الطلاق للضرر النازل بها من عدم الإنفاق؟

هل يجوز التنازل عن الحضانة مقابل الطلاق؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4412)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

هل يجوز للمرأة طلب الطلاق للضرر النازل بها، من عدم الإنفاق عليها وعلى ابنتها، وعدم معاشرتها المعاشرة الزوجية منذ ثمانية أشهر؟ ولمن تكون حضانة طفلتها؟ وهل يجوز التنازل عن الحضانة مقابل الطلاق؟ ولمن تكون الحضانة بعد إسقاطها لمن هو له؟

الجواب:

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعد:

فإن التطليق للضرر مِن اختصاصِ القضاء، فإنْ ثبتَ الضررُ لدى القاضي من عدم إنفاق الزوج النفقة الواجبة أو معاشرته زوجته، طلقَ على الزوجِ بناء على ذلك؛ جبرًا لرفع الضَّررِ، بعد أن يُمْهَلَ الزوجُ مدةً لعله ينفقُ ويعاشرُ زوجتَه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ) [الموطأ: 1429]، قال القرطبي رحمه الله: “قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمَنِ امْتَنَعَ مِن وَطْئِ امْرَأَتِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ حَلَفَهَا إِضْرَارًا بِهَا أُمِرَ بِوَطْئِهَا، فَإِنْ أَبَى وَأَقَامَ عَلَى امْتِنَاعِهِ مُضِرًّا بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرْبِ أَجَلٍ” [الجامع لأحكام القرآن: 3/106]، قال خليل رحمه الله: “وَاجْتَهَدَ وَطَلَّقَ فِي لَأَعْزِلَنَّ أَوْ لَا أَبِيتَنَّ أَوْ تَرَكَ الْوَطْءَ ضَرَراً” [المختصر: 123]، ويقع الطلاق رجعيا، في هاتين الحالتين، قال ابن رشد رحمه الله: “الْمَعْلُومُ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّ كُلَّ ‌طَلَاقٍ ‌يَحْكُمُ بِهِ الْإِمَامُ فَهْوَ بَائِنٌ، إِلاَّ طَلَاقَ الْمُولِي، وَالْمُطَلّقُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْإِنفَاقِ” [البيان والتحصيل: 5/441]؛ لأن حكم من ترك وطء زوجته كحكم المولي، قال الحطاب رحمه الله: ” .. قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 226]، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَقْتَضِي أَنَّهُ تَقَدَّمَ ذَنْبٌ، وَهُوَ الْإِضْرَارُ بِالْمَرْأَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ، وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمُضَارَّةَ دُونَ يَمِينٍ تُوجِبُ مِنْ الْحُكْمِ مَا تُوجِبُ الْيَمِينُ إلَّا فِي أَحْكَامِ الْمُدَّةِ” [مواهب الجليل: 4/108]، وعليه؛ فإن طلب الطلاق بالضرر من قبل الزوجة يجوز، وترفع أمرها للقاضي ليطلق على الزوج، فإن طلق فللزوج الرجعة، ما دامت الزوجة في العدة ولم تكن هذه الطلقة الثالثة، بشرط أن ينفق على زوجته ويرجع لمعاشرتها، قال عليش رحمه الله: “(وَ) إذَا طَلَّقَ الْمُولِي أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ وَإِنْ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا (تَتِمُّ رَجْعَتُهُ إنْ انْحَلَّ) إيلَاؤُهُ بِوَطْئِهَا فِيهَا أَوْ تَكْفِيرِهِ أَوْ انْقِضَاءِ أَجَلٍ أَوْ تَعْجِيلِ مُقْتَضَى الْحِنْثِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَنْحَلَّ إيلَاؤُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (لَغَتْ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ بَطَلَتْ رَجْعَتُهُ إلَّا أَنْ تَرْضَى بِالْمُقَامِ مَعَهُ بِلَا وَطْءٍ فَتَتِمُّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَخَوَيْنِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ” [منح الجليل: 4/219]، فإن خرجت من العدة فقد بانت من زوجها.

وأما حضانة البنت فهي من حق أمها، لما روي أنَّ امرَأَةً أتَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ؛ إنَّ ابنِي هذا كان بَطنِي له وِعاءً، وحِجرِي له حِواءً، وثَديِي له سِقاءً، وزعَم أبوه أنَّه يَنزِعُه مِنِّي، قال: (أنتِ أحَقُّ به ما لم تُنكَحِي) [مسند أحمد: 6707].

وأما طلب الأم الخلع مقابل إسقاط الحضانة للأب، فجائزٌ، وتنتقل الحضانة للأب بشرطين: الأول: ألا يكون للبنت تعلق بأمها، وتتضرر بانفصالها عنها، والثاني: قدرة الأب على توفير مكان يصون البنت ويحفظها من الشرور، قال الدردير رحمه الله: “(و) جَازَ الْخُلْعُ (‌بِإِسْقَاطِ حَضَانَتِهَا) أَيْ عَلَى إسْقَاطِهَا لِلْأَبِ حَضَانَتَهَا لِوَلَدِهِ وَيَنْتَقِلُ الْحَقُّ لَهُ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ قَبْلَهُ”، قال الدسوقي رحمه الله: “هَذَا مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يُخْشَى عَلَى الْمَحْضُونِ ضَرَرٌ إمَّا بِعُلُوقِ قَلْبِهِ بِأُمِّهِ أَوْ لِكَوْنِ مَكَانِ الْأَبِ غَيْرَ حَصِينٍ وَإِلَّا فَلَا تَسْقُطُ ‌الْحَضَانَةُ حِينَئِذٍ اتِّفَاقًا” [حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير: 2/349]، والله أعلم.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد الدائم بن سليم الشوماني

أحمد بن ميلاد قدور

 

الصّادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

23//رجب//1442هـ

07//03//2021م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق