طلب فتوى
البيعالتبرعاتالفتاوىالمعاملاتالوقف

هل يصح بيع الوقف ويمضي إذا كانت الدولة هي المتصرفة؟

حكم بيع أراضي الوقف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4829)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

اشترى جدي قطعة أرض موقوفة على مسجد ع مِن مصلحة الأملاكِ، سنة 1988م، بمبلغ قدره (1575 د.ل.)، مساحتها (1200م2)، ثم بنى أبي عليها -بإذنٍ من جدي- بيتًا من طابقين، نقيم فيه إلى الآن، ثم قسَّم جدي بعض ما يملكُ من أراضٍ على أبنائه، وجعل نصيب أبي أرضَ الوقف التي بنى فيها، وسجَّل ذلك بشكل رسمي، فما حكم الشرع في إقامتنا بأرض الوقف؟ وإن كانت غير جائزة، فهل يجوز لنا استئجار المنزل المقام على أرض الوقف؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن أرضَ الحبس لا تُباع، ولا يُتصرف فيها بمبادلة ولا غيرها؛ لأن في ذلك تبديلًا لغرضِ المحبِّس، قال الله سبحانه وتعالى: (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 181]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه في صدقته: (إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا)، وقول عمر رضي الله عنه بعد ذلك: “لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ” [النسائي: 6393]، فيحرمُ التعدي على شيءٍ من الحبس، ببيعٍ أو غيره، بل يجبُ استغلالُهُ في الغرضِ الذي حُبِّس عليه، قال سحنون رحمه الله: “بَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ خَرَابًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ” [شرح الخرشي: 7/95]، فإنْ حصلَ بيعٌ لأرضِ الحبس فهو باطلٌ، يجبُ فسخهُ وردّه، ويرجع المشتري على من باعه بالثمنِ.

وأما ما يتعلق بالبناء في أرض الوقف، فليس للباني إلا قيمة البناء منقوضًا، وإذا كان الوقف مُحتاجًا للبناء فلا يُنقضُ، قال الدردير رحمه الله: “(وَإِنْ بَنَى مُحَبَّسٌ عَلَيْهِ) بِنَاءً فِي الْوَقْفِ (أَوْ غَرَسَ) فِيهِ شَجَرًا … فَيُؤْمَرُ بِنَقْضِهِ أَوْ بِأَخْذِ قِيمَتِهِ مَنْقُوضًا بَعْدَ إسْقَاطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَاِ كالْأَجْنَبِيِّ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ لَا يَحْتَاجُ لِمَا بَنَاهُ، وَإِلَّا كَانَ وَقْفًا، وَوُفِّيَ لَهُ مَا صَرَفَهُ مِنْ غَلَّتِهِ؛ كَالنَّاظِرِ إذَا بَنَى أَوْ أَصْلَحَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ” [الشرح الصغير: 4/136-137].

عليه؛ فإنْ كانَ الحالُ كما جاءَ في السؤالِ، فيحرمُ عليكم الانتفاعُ بالأرض الموقوفة؛ لأن ملك الجد الواهب لأبيكم غيرُ صحيحٍ؛ لأنه اشتراها من مُتعدٍّ على الوقف، باع ما لا يملكُ، فيجبُ عليكم رفعُ اليد عنها، وردُّها وقفًا على قصدِ واقفها، وذلك بأنْ يتولّى الوقفَ ناظرُ المسجد المذكور، ويعمل على استثمارِ هذه الأرض بالكراءِ، وعليه أن يُطالب الدولة بغلةِ الوقف عن كلِّ هذه المدة، باعتبار أنّ مصلحة الأملاك العامة هي مَن قامت ببيع الأرض، بشرط أنْ تكون مصلحة الأملاك تتناولها الأحكامُ ويمكنُ التنفيذ عليها، وإن لم يكن تضمين مصلحة الأملاك متأتيا في الوقت الحاضر فعلى المشتري أن يتحمل الغلة في كل المدة الماضية، فتقدر ويدفعها من ماله إلى الوقف؛ حفاظًا على مالِ الوقف من الضياع، وعلى من بأيديهم الوقف في الوقت الحاضر أن يقومُوا بتوثيقه بمعرفةِ العدول، مثل محرري العقودِ وغيرهم، وأن يشهدُوا عليه جماعةً مِن أهلِ القرية، حتى لا يؤول أمره إلى البطلان بتقادم الأجيال، ولهم أن يستأجِروا المنزل المشيدَ إذا رأى الناظرُ في إبقائه مصلحةً للوقف، ويكون ذلك بأجرةِ المثل، توضعُ في مصرف الوقف، واللهُ أعلمُ.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد الرحمن بن حسين قدوع

حسن بن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

17//رمضان//1443هـ

18//04//2022م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق