المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (379)
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
الحلقة (379)
[سورة الأعراف: 88-89]
(قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ)(88-89)
أَمَرَ شعيبٌ قومه بالتوحيد، ونهاهم عن الفسادِ في الأرض، وعن الصدِّ عن سبيلِ الله، فكان جوابُ الذين استكبَروا من قومه كجواب الكَفَرة من قبلهم مِن قوم لوط، فأولئكَ قالوا (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ)([1])، وهؤلاء قالوا (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا).
ووُصفوا بالاستكبار في قوله (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) دون الكفر؛ لظهور عُتُوهم واستعلائهم على شعيب، وتهديدِهِ بإخراجه من مدينتِهم، وهذا شأن كلِّ الجبابرة والطغاة ومَن أعوزَه سلطانُ الحجة، فإنّه يَلجأ عادة إلى سلطان الغشامَة والقهر.
فخَيَّروه هو والذينَ آمنوا معه بينَ أحدِ أمرين، أكّدوهما بلام القسم؛ الأولُ قولهم (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا) والثاني قولهم (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) فخَيروهم بين الطَّردِ والإخراجِ والتهجيرِ من قريتهم وبلدتهم، وبينَ أن يَتركوا ما هم عليه من الدعوة إلى التوحيدِ والإيمان، ويعودُوا معهم إلى الكفر والعصيان.
فالقريةُ هي بلدتهم ومدينتهم (الْأَيْكَة) وسمّيت القرية قريةً؛ لتقرِّي أهلِها وتجمّعِهم ومُقامهم فيها، وقوله (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) خطابٌ لقوم شعيب، من العَوْد، وهو هنا التحول إلى الكُفر الذي هم عليه، والعَوْد يُطلقُ على معنيين:
على الرجوعِ إلى حالةٍ ماضيةٍ، كانَ المرءُ متلبسًا بها مِن قبل، وعلى هذا يكون المخاطَبُون في قوله (لَتَعُودُنَّ) قومَ شعيب، دونَ شعيب؛ لأنّ الأنبياء يستحيلُ عليهم الكفر، قبل النبوةِ وبعدَها، وجمعُ شعيب معهم في الخطابِ على هذا الوجه يكون مِن باب التغليب.
ويُطلق العَوْد على معنى تحول الإنسان وتصييره إلى حالة أخرى غير الحال التي هو عليها، سواء كان متلبسًا بها من قبلُ أم لا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصْفِ الذينَ امتُحِشُوا في النار من المؤمنين: (وَعَادُواْ حُمَمًا)([2])، أي صاروا وتحولوا حمما متفحمين؛ لأنهم لم يكونوا متفحِّمين مِن قبل ثم رجعوا إلى ما كانوا من التفحم، وعود الضمير في (لتَعُودُنَّ) على شعيبٍ وقومه على هذا المعنى يتمشَّى مع عصمة الأنبياء، ولا يُحتاجُ على هذا القول في دخوله معهم إلى التغليب كما تقدّمَ، ولا يعارضه قولُه الآتي (بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا) المشعرُ بأنهم كانوا على ملتِهم؛ لأن النجاة من الشيء لا تستلزمُ بالضرورة أن تكون بعدَ الوقوع فيه، فقد قال الله تعالى عن نبيهِ لوط (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ)([3])ولوطٌ وأهلُه لَمْ يَمَسّهم العذاب.
وأعادوا لامَ القسم مع قولِهم (لَتَعُودُنَّ) بعد قولهم (لَنُخرِجَنَّكَ) للدلالةِ على أنّ كلَّ واحدٍ من الأمرين أَقسمُوا عليه، فلابدَّ عندهم من حصولِ أحدهما؛ إمّا الإخراج من القرية، أو التحوّل إلى ملّتهم ودينهم الكفر.
(قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) قال شعيب ومن معه: كيف تخرجونَنَا من قريتنا من غير ذنب، ونحن كارهون لمفارقةِ الأوطان؟! هل يليق أن تخرجونا إكراهًا ونحن ناصحون لكم؟
ولجوءُ الكفرة إلى إكراه المؤمنين دليلُ بُعدِهم عن الحقِّ، فإنَّ للحق حجةً وسلطانًا على النّفوس، يجعلها تَنقاد له طواعيةً، فمن فقده استعمل سلطان العرامَة والجَهالة.
فالاستفهام في (أَوَلَوْ كُنَّا) إنكاري، والواو بعد همزة الاستفهام للحال، و(كَارِهِينَ) مُكرَهين، أتفعلون بنا ذلك ولو كان حالنا في ذلك حال المكرَهين المقهورين من غير ذنب فعلناه؟
وقوله (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا) معناه أن المؤمنين من قوم شعيب أجابوا الكفرةَ إضافة إلى ما تقدم فقالوا: ما أكذَبنا على اللهِ إنْ عدْنا في الكفر بعد الإسلام، ووصفوا نفسَهم بالافتراء وهو أشدّ الكذب؛ لأنَّ المرتَدَّ أبلغُ في التمرّد على أوامر الله من الكافر الأصليّ، قالوا: ولن نرضى هذا لأنفسِنا (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا) ولا يصحُّ ولا يليقُ بنا أن ندخلَ في ملّتكم ودينكم ونصير إليه، ليس لنَا أن نفعله أبدًا، ونحنُ عازمون على ذلك (إِلاَّ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا) لكن أَمْرنا بيدِ الله، وقلوبنا عنده، يقلّب القلوبَ كيفَ يشاء، إن أرادَ أن يقلّبَها إلى غير ما نُريد لفعَل، فالله تعالى ﴿فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ﴾([4]).
فقوله (افْتَرَيْنَا) من الافتراء، وهو شدة الكذب، و(كَذِبًا) منصوبٌ على المصدر، ودخول (قَدْ) على الماضي (قَدِ افْتَرَيْنَا) تُقرّب معناه للحاضر، ودخول (إِنْ) على الماضي (إِنْ عُدْنَا) تُحوله للاستقبال، عكس (لَمْ) تُحوّلُ الاستقبال إلى الماضي.
(وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) أحاطَ علمُه بكل شيء؛ بما كان، وبما يكونُ، وبما لم يكنْ لو كانَ كيف يكونُ.
(عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا) التجاؤُنا إلى اللهِ وحدَه، فهو حافظُنا وكافينَا مِن التحول إلى ملَّتِكم، ومِن كل باطلٍ وسوء، فتقديم المجرور (عَلَى اللّهِ) على الفعلِ (تَوَكّلْنَا) للاختصاص وقصْرِ توكلهم على الله، والتَّوَكُّل: الكفاية والحفظ.
والفتحُ في قوله (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) يكون بمعنى الغلبة والنَّصْر، فأظهِرنا وانصُرنا عليهم، ويكون بمعنى الحكمِ وإظهار الحَقّ، فالحُكم والفَصل في القضاء بيننا وبين من يريدون إخراجنا من ديارنا وملّتنا، هو إلى الله؛ لأنّهم كانوا يتحاكمون إلى السيف، طلبوا من الله أن يحكمَ بينهم وبين من خالفَهم بالحقِّ لا بالسيفِ والمغالبةِ؛ ليظهر حكمه بالحق على أعدائهم، ويهديهم، ويقودهم إلى ما يريدُه المؤمنون، فينكفَّ أذاهُم عنهم.
(وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) خير الناصرين والحاكمين، فلا غالب لمن نصره الله، ولا يُشارِك اللهَ سبحانه في كمال حكمه أحدٌ؛ لأن حُكَّام الدنيا يلتبس عليهم الحقّ بالباطل، ويَروج عليهم الزيف، وتأخذهم الأهواء، والله سبحانه مُنزَّهٌ عن ذلك كلِّه، فـ(خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) أفعلُ تفضيلٍ على غير بابه.
[1]) الأعراف: 82.
[2]) البخاري:6560.
[3]) الأعراف: 83.
[4]) البروج: 16.