طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (389)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (389)

[سورة الأعراف: 144-147]

(قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ وَكَتَبۡنَا لَهُ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ)(144-145)

قال الله لموسى: إنّي اخترتُكَ وفضّلتُك على جميع أهل زمانك مِن العالمين، وذلك يشمَل أخاه هارون؛ لأن هارون مرسلٌ برسالة موسى صلى الله عليه وسلم؛ مُعِينًا وظهيرًا له، فموسَى أفضلُ منه.

وتفضيلُ الله لموسى على الناس هوَ بما أعطاه مِن الرسالة وكلامِه له، ولا يعارضُه النهيُ الوارد عن التفضيل بين الأنبياء، فهو محمولٌ على التفضيل المبني على التعصُّب والهوى، لا على الدليل الشرعي.

فقوله (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ) اخترتك، من الصَّفْو، وهو الخِيار، و(عَلَى النَّاسِ) اختارَه على أهل زمانِه.

و(بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) متعلق بحال مقدر، اصطفيتك حالة كونك مرسَلًا وكليمًا،

فاصطفاؤه كان بإعطائه رسالةً عظيمة، كثيرٌ أتباعُها، وكتابًا – وهو التوراة – بقِي شريعةً لبني إسرائيل على مر العصور، إلى أن نسَخه القرآن، وقوله (برِسَالَاتِي) بلفظ الجمع عند بعض القراءِ؛ بالنظر إلى ضروبِها وأنواعِها، فكل أمر في ذاته رسالةٌ، وكل نهيٍ رسالة.

ثم قال الله لموسى: خُذْ مَا ءَاتَيْتُكَ من الرسالة وألواح التوراة، التي اصطفيتُك بها (وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) بحفظِ الألواح وتبليغِ الشريعَة، والألواحُ في قوله (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ) هي ألواح حَجَرٍ أو غيره، نزلتْ على موسى بالطور، منقوشًا عليها الوصايا العشر مِن التوراة، كتبنا له في الألواح بعضًا مِن أصول كلّ شيء، ممَّا يحتاج إليه بنو إسرائيلَ مِن المواعظ، وتفصيلًا لكلِّ شيءٍ يحتاجونَ إليه من الأحكامِ، فمِن في (مِن كُلِّ شَيْءٍ) للتبْعيضِ.

وجملةُ (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) عطفٌ على (وَكَتَبْنَا) كتبنَا له في الألواح، وقلنا له: خذْها بقوة، بحزمٍ وجدٍّ، وعزمٍ على إقامتها والعملِ بها، كما قال تعالى ليحيَى: ﴿یَٰیَحۡیَىٰ ‌خُذِ ‌ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةࣲ﴾([1])، فتناولُ الأمورِ المتعلِّقةِ بالإيمانِ وإقامةِ الدينِ بحزمٍ مطلوبٌ، وإظهارُ القوةِ في مثلِها محمُودٌ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ)([2]).

فالأمر في قوله (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) لموسى صلى الله عليه وسلم، والضمير في (خُذْهَا) للألواح، وقوله (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا) هو مِن معنَى أخذِ الألواحِ بقوّةٍ، بأنْ يأمرَ قومه بالعمل بها بحزْمٍ، والتمسكِ بما جاء فيها بقوّةٍ؛ لحُسْن ما تضمنتهُ مِن مواعظَ وأحْكام، ففعلُ (يَأْخُذُوا) معناه: يتمسَّكُوا ويعمَلوا، وهو مجزومٌ في جوابِ الأمر (وَأْمُرْ قَوْمَكَ) والباء في (بِأَحْسَنِهَا) إمّا متعلِّقة بـ(يَأْخُذُوا) أي يتمسّكوا بها، وإما للملابسةِ، متعلِّقةٌ بمحذوفٍ حال، ومفعول (يَأْخُذُوا) محذوف، فيأخذوا أَنفُسَهم حالةَ كونهم متلبسين بما اشتملت عليه من الحُسْن.

وأَحْسَنِ: صفةٌ بمعنى الحُسن، وليستْ أفعلَ تفضيل، والإضافة في (بِأَحْسَنِهَا) لفظيةٌ، لا تفيد تعريفًا يبيّن نوعَ الحُسنِ.

والخطابُ في قوله (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) لقوم موسَى، سأجعلكُم تَرَونَ دارَ الفاسقينَ وتشاهدونَها بأبصارِكم؛ لتعتبرُوا بما حلّ بهم، ودارُ الفاسقين: أماكنُ الذين ظلَمُوا مِن الكفرة والمجرمين والعصاة، منهم الجبابرةُ الذين كانوا بالشام، ومنهم مَن هلكَ مع فرعونَ في مصر، ومنهم مَن كان ينتظِرُ الهلاك، كلُّهم وَلِيَ قومُ موسى ديارَهم، وهؤلاء الفاسقونَ الذين عرفتم ديارهم بَغَوا وعاثُوا في الأرضِ فسادًا، فأُرِيكُم: مِن الرؤيةِ البصرية؛ للاعتبار والتدبُّر في ما آلَ إليه أمر الفاسقينَ.

(سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ)(146-147)

سأُبعدُ وأصرفُ عن الانتفاع بآياتي – ومنها المعجزات التي جاءت بها الرّسل – المستكبرينَ مِن الظلمةِ، وأُحوِّلُهم عنها، فلا يتفكَّرُون فيها، ولا في أنفسِهم، ولا في الآفاق، وتكبُّرُهم تكبّرٌ في الأرض، فهو استكبارٌ واسعٌ ضررُه على أهلِ الأرضِ، وليسَ قاصرًا على أنفسِهم.

وقوله (بِغَيْرِ الْحَقِّ) حالٌ، فلا يتكبَّرون محقّين بحال من الأحوال، و(فِي الأَرْضِ) ليستْ لتقييدِ الاستكبارِ المذمومِ، بل الاستكبارُ مذمومٌ مطلقًا، فقيدُ (فِي الأَرْضِ) صفةٌ كاشفةٌ لبيانِ الواقعِ، ملازمةٌ للمستكبرين، تُبيِّن ما هم عليه مِن مجانبةِ الحقِّ، فليس هناكَ استكبارٌ للمخلوقِ يكونُ بحقٍّ، فالتكبّرُ لا يكونُ محمودًا إلّا صِفةً للهِ وحدَه، أو تَكونُ (يَتَكَبَّرُونَ) بمعنَى يتعزَّزُون؛ سأصرفُها عن الذين يتعزَّزُون في الأرضِ بالباطلِ (وَإِنْ يَّرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) ومهما أُوتُوا مِن المعجزاتِ الكثيرةِ والآياتِ البيّنةِ وشاهدُوها، لا تنفعُهم، ولا يؤمِنونَ؛ لصَرفِهم عنْها، كما قال تعالى: ﴿لَا یُؤۡمِنُونَ وَلَوۡ جَاۤءَتۡهُمۡ كُلُّ ‌ءَایَةٍ حَتَّىٰ یَرَوُا۟ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِیمَ﴾([3]).

فـ(كلّ) في قوله (وَإِنْ يَّرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ) مستعمَلةٌ في الكَثرة، والآيَة: المعجِزة.

(وَإِنْ يَّرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) فمِن شأنهم وعادتِهم أنّهم إذا لاحَ لهم سبيلٌ للرشدِ فيهِ تقوًى وهدايةٌ، وخيرٌ ونفعٌ وصلاحٌ، تَنَكّبُوه وحادُوا عنه، وإذا لاحَ لهم سبيلٌ فيه غَوايةٌ وضلالٌ، وفُسوقٌ وشرٌّ وفسادٌ، واتباعٌ لهوَى النفوسِ، اتخذُوهُ سبيلًا؛ لَزِمُوه وسَلَكوه.

(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)  إعراضهُم عن التصديقِ بالآيات، وصرفَهُم عنِ التفكّرِ فيها واتباعَهُم سبيلَ الغيّ، سببُهُ العِنادُ والتكبرُ، والتكذيبُ بالقرآنِ والمعجزاتِ، فالإشارةُ بقوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) إلى المذكور مِن صرفهم عن النظرِ في الآيات والأدلة، وتَكبُّرِهم في الأرض، والباء في (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا) للسببية، فبسببِ أنهم كذَّبوا بآياتنا الكونيةِ والقرآنية، اتبَّعوا طريق الغَوايةِ، والغَفْلةُ في قوله (وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) الذّهولُ عن الشيءِ، وعدمُ الوعيِ به، وما يقعُ منه فَلتةً دونَ أخذٍ بأسبابهِ معْفوٌّ عنه، أمّا ما كان متَقَصَّدًا مِن الغَفلةِ، مأخوذًا فيه بأسبابِها؛ باللامُبالاةِ، وقلّةِ الاكتراثِ، وخُلْطةِ أهلِ السوءِ، فهو مذمومٌ؛ لأنه سببٌ للغَواية والضَّلالة.

(وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) فالذينَ كذّبوا بالقرآن، وبما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من المعجزاتِ، وكذَّبوا بـ(لِقَاءِ الآخِرَةِ) والقيامةِ والبعثِ، والعرضِ على الله للجزاءِ، حَبِطَت وذَهبتْ كلُّ أجورِ أعمالِهم وتلاشَتْ لفقدِ شرطِها، وهو الإيمان، كما قال تعالى عن الكافرين وأعمالهم: ﴿حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَهُ ‌لَمۡ ‌یَجِدۡهُ شَیۡءࣰا﴾([4])، فـ(حَبِطَتْ) من الإحْباط: وهو الإتيانُ على الشيءِ، وإذهابُه بالكُليّة.

(هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) فلا يكافؤونَ في الآخِرة، إلَّا على وَفْقِ عمَلهم في الدّنيا، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشَرٌّ، وقد عُلم أن عملَهم في الدّنيا شركٌ في العقيدة، وتكبّرٌ وفسادٌ في الأعمَال، فليسَ لهم جزاءٌ إلّا النّار، فالاستفهامُ في قوله (هَلْ يُجْزَوْنَ) للنفيِ والإنْكار.

 

[1])         مريم:12.

[2])         مسلم:2664.

[3])         يونس:96-97.

[4])         النور:39.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق