طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (393)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (393)

[سورة الأعراف: 158-162]

(قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ‌ٱلنَّبِيِّ ‌ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ)(158)

لما ذكر الله لبني إسرائيل أنهم يجدون مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل صفاتِ النبي الأمي، وأنّ رحمة الله بهم متوقفة على الإيمان به واتّباعه، أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يُخاطبَهم، ويخاطبَ غيرهم، يُخاطب الناسَ جميعًا، بني إسرائيل وغيرَهم، بأنّه رسولُ الله إليهم جميعًا، فـ(ألْ) في (النَّاس) للاستغراق؛ لأنّ مِن اليهود فريقًا يزعمون أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم مختصَّةٌ بالعرب، كما قال ابنُ صياد (الكاهن اليهودي) للنبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له: (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ)([1]).

فالمخاطَبُ بقوله (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هو النبي صلى الله عليه وسلم، والضمير في قوله: (إِنِّي) للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإني رسولُ الله إليكم الذي مِن أوصافه أنه المالك، وأنّ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ له وحدَه، يتصرّف فيه كما يشاء، فيرسل رسلًا مخصوصين بأقوامهم، وأَرسل النبيَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى أممِ الأرض قاطبة، فواجبٌ عليكم أن تَسمعُوا وتُطيعُوا. فـ(جَمِيعًا) حالٌ مؤكدةٌ لما دلَّ عليه ضمير خطاب الجمع (إِلَيْكُمْ) بتقدير: مجتمعين، واللّامُ في (له مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) للاختصاص.

وجملة (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ) حالية، فآمِنوا به حالةَ كونه منفردًا بالألوهية، والإحياءِ والإماتة، والخطابُ في قوله (فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) للنّاس كافةً، لبني إسرائيل ولغيرهم، وهو أَمرٌ لكلّ أحدٍ بوجوب الإيمانِ بالله، والإيمان برسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

وذُكر صلى الله عليه وسلم لهم بوصفِه الذي يجدونه في كتبهم: (النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) ليقيم عليهم الحجّة، ولا يقولوا كما قال ابن صياد: رسول الأميين، ثم هو صلى الله عليه وسلم مثلكم، يؤمن بالله ويؤمن بكلماته ووحيه في كتبه المنزلة على رسله، فهو يؤمن مثلكم بموسى صلى الله عليه وسلم، وبالتوراة المُنزلة عليه، ويؤمن بعيسى صلى الله عليه وسلم، والكتابِ المُنزل عليه، وبسائر الأنبياء، وبكلماتهِ المُنزلّة عليهم في كتبهم، وبقَدَرِه وكلماته الكونية، بقوله للشيء إذا أراده أن يكونَ فيكون.

ومن كلماته الكونية التي يؤمِن بها خلقُه لعيسى صلى الله عليه وسلم بقوله: كُنْ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وأنّه عبد الله ورسوله.

وفي ذكر إيمان النبي صلى الله عليه وسلم بعيسى وبكلّ الأنبياء رَدٌّ على اليهود، الذين كذّبوا عيسى صلى الله عليه وسلم، وعَمِلوا على صَلبِه، وعلى النصارى الذين أَلَّهُوه.

ثم أُمر النّاس باتباع النبي ﷺ، بعد الأمر بالإيمان به فقال: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) فلا يكون اهتداءٌ إلا بحصول الأمرين: الإيمان، واتباع الشريعة؛ بالعمل بما جاءَ فيها.

(وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِ يَعۡدِلُونَ وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ)(159-162)

قوله (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ) معطوفٌ على قوله (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا) لبيان أنَّ قومَ موسى لم يعبُدوا العجل جميعًا، بل إن منهم قومًا صُلحاء، كانوا مع هارون عليه السلامُ، غير راضينَ بما فعله قومُهم، فـ(مِنْ) في (وَمِن قَوْمِ مُوسَى) للتبعيض، والأُمَّة: الجماعة الكبيرة، التي جَمَعَها أمرٌ واحدٌ، وهؤلاء المذكورون في (وَمِن قَوْمِ مُوسَى) أمّةٌ من بني إسرائيل، جَمَعهم التمسّكُ بالحق، والدعوةُ إليه، فكانوا مهتدينَ للحقّ، مصاحِبين له، متلبِّسين به، ويهْدُونَ الضالِّين من قومِهم، ويُرشدُونهم إليه.

فالباء في (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) للآلة، فبواسطة الحق واستعماله يحكُمون بالعدل على أنفسهم، وعلى غيرِهم، فظهَر الحقّ في أقوالهم وأفعالهم.

 

ومِن حُسن السياسة في تدبير شؤون بني إسرائيل -الذين هم أبناء يعقوب، وأسباطُ أي أحفاد إسحاق- أنهم استفادوا مما اختاره الله لهم، بتصييرهم عشائر، كلُّ عشيرة ترجع إلى سِبط من أحفاد إسحاق صلى الله عليه وسلم، وولدٍ من أبناء يعقوب، فكانوا في نظام حياتهم (أُممًا) داخل أمّةٍ واحدة، وهي أمّة بني إسرائيل، ولذلك عندما ضاقَ عليهم العيش، وخرجوا إلى التِّيهِ، لم يتقاتَلوا، ولم يتزاحموا على الماء، قال تعالى: ﴿قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسࣲ ‌مَّشۡرَبَهُمۡ﴾([2]) كل سبطٍ وفرع من فروع بني إسرائيل عَلم وقتَ شُربه، فلا يزاحمُه غيرُه في يومه.

(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) صيّرناهم اثنتي عشرة أُمَّةً، فتمييز العدَد، وهو أُمَّةً مقدرٌ، دلَّ عليه قوله (أُمَمًا) ولذلك أَنَّثَ العدد (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) ليوافِقَ (أمةً) المقدر، و(أَسْبَاطًا) منصوبٌ على الحال من (وَقَطَّعْنَاهُمْ) حالةَ كونهم متفرعين ومتولدين، وليس تمييزًا؛ لأن تمييز العدد المركبِ من أحد عشر إلى تسعةَ عشر مفردٌ منصوبٌ لا جمعٌ.

فالْأَسْبَاط: الأحفادُ الذين صاروا فيما بَعدُ قبائل بني إسرائيل وعَشائِرَهم.

وعندَما عاقبَ الله قوم موسى بالتّيه على تركهم الجهادَ، وامتناعِهم من دخول الأرض المقدسة، وحكم عليهم أربعينَ سنة، يتيهونَ في الأرض في صحراء، حيث لا ماءَ ولا ظلّ ولا طعام، اشتكى قومُه إليه عدمَ الماء، فأوحى الله إلى نبيه موسَى أنِ اضرب بعصاك الحجر، فانبجسَت منه اثنتا عشرة عينًا، بعدد الأسباط، والتقدير: فضرب الحجَرَ بعصاه فانبجسَت منه العيون، وفي الآية الأخرى: ﴿‌فَٱنفَجَرَتۡ﴾([3])، وقد تقدم تفسير هذه الآيات في نظيرها عند قوله: ﴿وَإِذِ ‌ٱسۡتَسۡقَىٰ ‌مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ﴾ في سورة البقرة([4]).

و(إذْ) في قوله (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هذِهِ الْقَرْيَةَ) متعلِّقةٌ بفعل مقدّر، كما هو الشأنُ في أمثالها، واذكر يا محمّد إذ قيل لبني إسرائيل اسكنوا هذه القرية، والرِّجْز: العذاب، وتقدمَ تفسير نظير هذه الآيات (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ) في قوله: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُوا۟ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةَ فَكُلُوا۟ مِنۡهَا حَیۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدࣰا﴾ في سورةِ البقرة([5]).

والفرقُ بين ما هنا وما في البقرة؛ أنّ آيات البقرة كانت في سياق التوبيخ لبني إسرائيل على عبادة العجل، وعلى تركِهم الجهاد، وتحايلِهم على التنصّل من التكاليفِ، حين أُمروا بدخول الأرض المقدّسة، سياق القصة هنا في الموعظة والتذكيرِ، وبينَ الموضعين اختلافٌ يسير، بما يناسبُ السياقَ في كلّ موضع.

فالتوبيخُ على عبادة العجل وتركِ الجهاد يناسبُه زيادةُ الشدةِ والتغليظِ في خطابِهم، من ذلك إسنادُ الفعل في البقرةِ إلى ضمير العظمَة (وَإِذْ قُلْنَا) مما يُشعرُ بالرَّهبَة، وهنا أُسنِد لما لم يُسمَّ فاعلُه (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ) للعلْم به، وأمرُوا في البقرة بالدُّخول (ادْخُلُواْ) الذي يُشعِر بمجرّد الإذن بالدخولِ، بخلافِ هنا قيلَ لهم (اسْكُنُواْ) المشعِر بالضيافة، وقيلَ هناك: ادخُلُوا فكُلُوا، بالفاء الدالة على الترتيب، فهم أُمروا بالدخول، والأكلُ مترتبٌ على الدخولِ، فلا يكونُ قبله، وقيل هنا: اسْكُنُوا وكُلُوا، بالواو؛ لأنّ الأكل لمَن دخل يكونُ قبل أن يتخذَ المسكن وبعده، فلا يُحتاج إلى العطفِ بالفاء الدالة على الترتيبِ، وقال هنا (فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ) فأسنَد التبديل إلى بعضهم، وقال في البقرة (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ) فأسندَ التبديل إلى مجموعهم، ولم يسْتثنِ؛ لأن السياق هناك في مقام التغليظ عليهم، ولم يرفع اللوم عن بعضهم لأنّه يشعر بالتخفيف، ولأن مَن كان معهم، حتى لو لم يشاركْهم، لم يخلُ مِن لَوم، وقال هنا (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ) وفي البقرة (فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ) فأعادَ وصفهم بالذين ظلمُوا، دون الاكتفاء بالضمير العائد إليهم؛ للدلالة على أنّهم أحرياءُ بنزول العذاب بهم لظلمِهم، ووُصِف الأكل في البقرة بقوله (رَغَدًا) ولم يوصفْ هنا بشيء؛ لأنّ في الوصف به تكثيرًا للمِنَّة، التي حلّت بهم مِن وقت دخولهم؛ ليكون معها التوبيخ عليهم أبلَغ وأشدّ.

 

[1])         البخاري:3055.

[2])         البقرة:60.

[3])         البقرة:60.

[4])         البقرة: 60.

[5])         البقرة: 58.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق