المنتخب مِن صحيح التفسير- الحلقة (395)
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
الحلقة (395)
[سورة الأعراف: 167-170]
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ)(167-168)
جملة (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) عطفٌ على (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) اسألهم يا محمد عن القرية التي كانت حاضرة البحر، واذكر وقتَ أن أَعلمَ ربُّك، وأَخبر عن نفسه، قسما منه وعَزْمَة من عَزمَاته، ليُسلطنّ على اليهود من يسومُهم سوء العذاب، بأنواعِ الذل والهوان.
والذلّ والإخراج من البلدان لا ينتهي ولا يرفع عنهم مدّة بقائهم على الكفر، وسيتعرضون له من وقت لآخر، فلا ينقطعُ عنهم إلى يوم القيامة.
فـ(تَأَذَّنَ رَبُّكَ) من أَذِنَ بمعنى: أَعلَم وأَخبر، وهو إخبارٌ مؤكدٌ محقّق الوقوع؛ لذا جرى مجرى القَسَم، فأُجيب عنه بجواب القسم في قوله (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ) ليُرسِلن وليُسلّطن عليهم؛ وإلى في (إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ) للغاية، فيوم القيامة هو الغاية التي ينتهي عندها تسليطُ الذلّ عليهم في الدنيا.
فتسليطُ الذلِّ عليهم في الدنيا مستمرٌّ إلى نهايتها؛ ليُسْلِمَهم إلى ذلّ الآخرة، وقوله (مَنْ يَّسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَاب) مَن السَّوْم، وهو الذهاب في ابتغاءِ الشيء وطلبه، فيطلبونَهم ويبغونَهم بالعذاب ويُنزلونه بهم، ويوقعونَ عليهم أشدّه وأفظَعه.
(إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) فعقاب ربّك للكفرة سريع الحلول، يَحِـُلّ بهم في الدنيا، ومُحقَّق الوقوع في الآخرة، يَنزل بهم دون تردّد، وإنّه لغفور رحيم، يغفر لمن تابَ وآمَن.
والضمائرُ المذكورة في (وَقَطَّعْناهُمْ في الْأَرْضِ) وما بعدَه كلُّها لليهود، ومعناه: شتَّتناهم في الأرض، وفرّقناهم جماعاتٍ جماعات في أنحاء الأرض، لا تكادُ تخلُو منهم بلادٌ من بلادِ الدنيا، ولم نُقِم لهم على مرّ الأزمان والعصور مكانًا يجمَعهم.
وهذا مِن غيبيّات القرآن، فإنّ التاريخ يذكرُ اجتياحَ ممكلة بابل لهم وأسرَهم، وتجمّعهم مرة أخرى في أورشَليم، واجتياحَهم مرةً ثانية مِن الرومان أو الآشوريينَ، وسيسلّطُ الله عليهم من يخرِجُهم اليوم من فلسطينَ، فهكذا حالهم دوالَيك، بسببِ فسادهم في الأرض وقتلهم الأنبياء، وقد ذكرَ القرآن ما يشير إلى هذا في قوله: ﴿وَقَضَیۡنَاۤ إِلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ فِی ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَیۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوࣰّا كَبِیرࣰا﴾([1]).
و(مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ) منهم مَن آمن بموسى صلى الله عليه وسلم، ولم يعبدِ العجل، ولم ينحرفْ بعدَه (وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ) وهم أصنافٌ؛ منهم الكافر، ومنهمُ الفاسق.
(وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) اختبرناهم بالنِّعم والنِّقم، والسَّرَّاء والضَّرَّاء؛ لأجل أن يراجعُوا أنفسَهم، فتحمِلهُم النِّعمُ على الشكر، والنِّقمُ على الخوف، فيُسْلِموا، ويتركُوا الكُفر.
(فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ)(169-170)
جملةُ (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) عطفٌ على قوله (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ) والمعنى: أوجدنا من بني إسرائيل أجيالًا جديدة بعد فَناء أوائلِهم، الذين كان منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، مَن قلّ صلاحه، أو انعدم بالكليةِ وكان كافرًا.
ومن جملة هذا الخلْفِ المتنوّع من كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ، منهم مَن أسلمَ وحسُنَ إسلامه، ومنهم الكافرُ، ومنهم المنافِق.
والْخَلْف كلُّ من يَخلُف غيره، ويأتي بعده، وهو بإسكان اللام؛ غالبُ إطلاقه على الْعَقِب الأشرار، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾([2])، وبفتح اللام أكثر إطلاقِه على العقِب الأخيار.
والضمير في (مِن بَعْدِهِمْ) عائدٌ على بني إسرائيل، و(وَرِثُواْ الكِتَٰبَ) هو التوراةُ، ورثه اليهود في هذه الأمة عن أسلافهم، فهم على عِلم، والحجّةُ قائمةٌ عليهم، بتحريفِ كتابِهم، والعمَلِ بخلافِ ما جاء فيه.
وجملة (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) حاليّة، فاليهودُ يأخذونَ عرضَ هذا الأدنى، الذي تتطلّع إليه نفوسُهم من محقّرات الأشياء الزائلة، يأخذونَه ويُبدِّلونَه بآخرتِهم، ومِن ذلك الحطام الأدنى ما تمتدُّ إليه أيديهم مِن الرشاوى والسّحْت، وغير ذلك مما يخترعونهُ في العصر الحديث، مِن أساليبِ التحايلِ على أكلِ أموال النّاس بالباطل، بالقمار والرّبا، ونحوها مِن وجوهِ الخداع والحِيل.
وجملة (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) عطفٌ على (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) يفعلونَ هذه القبائح كلَّها من الفسادِ في الأرض، ويقولون: سيُغفر لنا، يزعمونَ أنّ اللهَ لا يعذّبهم ولو أفسدُوا، لأجل محبّته لهم، وهذا مِن اغترارهم وخِذلانهم، الذي انتهى بهم إلى الهلاكِ، قال تعالى: ﴿تِلۡكَ أَمَانِیُّهُمۡ﴾([3]).
وقد خَذَلهم الله، وعذّبَهم بذنوبهم، وردَّ على كذبِهم، فقال: ﴿بَلۡ أَنتُم بَشَرࣱ مِّمَّنۡ خَلَقَ﴾([4]).
وجملةُ (وَإِنْ يَّأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) حاليةٌ، فعلوا في الماضي ما فعلُوا من الفساد، والتعلق بحطام الدنيا مِن الحرام، والحالُ أنهم إنْ يأتِهم في المستقبل عرضٌ مثله مِن الحرام -على نحو ما سبق- يأخذوه ولا يتردَّدوا، بل في كلّ وقت يبتكرونَ له طرقًا وأساليب، فَضلَالُهم متجذّرٌ متجددٌ، لا يتوبونَ منه ولا يرجِعون.
والاستفهام في (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثاقُ الْكِتَابِ) للتقرير والتقريع، فاللهُ تعالى أخذَ عليهم العهدَ والميثاق في التوراة، وعَلِمْنا من القرآن أنّ ذلك العهدَ أُخذ عليهم مرارًا، فكانوا كلّما نزلت بهم عقوبة يقولون: لئن أنجيتنا من هذه لنؤمنن ولنَكوننَّ من الشاكرين، فإذا أنجاهُم نَكَثوا العهد.
فالْعَرَض بالفتح: الزائلُ من متاع الدنيا وحطامها الذي يَعرِض ولا يبقى ويثبُت، والْأَدْنَى: بمعنى الدنيا، من الدنُوّ والقرب، بالنسبةِ إلى الآخرة.
والإشارة بـ(هَذَا) للعَرَض، وهي للتحقير، فالإشارة قد تستعملُ للتحقير، كما في قول المشركينَ قبحَهم الله: ﴿أَهَٰذَا ٱلَّذِی بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا﴾([5])، ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ یَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشِی فِی ٱلۡأَسۡوَاقِ﴾([6]).
والميثاق: العهد، والكتاب: التوراة، وإضافة الميثاق إلى الكتاب على معنى (في) ألمْ يؤخَذْ عليهم الميثاقُ في الكتاب بأنْ يقولوا الحقّ.
وقوله (أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ) هو لأسلافِهم، ألم يُؤخذ الميثاق على أسلافهم، ألَّا ينقضُوا العهد، عهد الإيمان، ولا يكذبوا، ولا يقولُوا على الله إلا الحقّ، قد حصل ذلك، وأُخذ عليهم ونكَثوا، ففعل الخَلْف منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم فِعلَ أسلافهم في النكثِ والنقض للعهد.
(وَدَرَسُوا مَا فِيه) قد أُخِذ عليهم الميثاق في كتابهم بأن يقولوا الحق، والحال أنهم قد درسُوا هذا الكتاب وهو التوراة وتعلموه وعَلِموا ما فيه من العهود، فهم على علم بما يعملونه من نكثِ العهود، والتكذيب للرسل، فأضلّهم اللهُ على علم، فجملة (وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ) مُعترِضةٌ أو حاليةٌ.
(وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فهم يأخذونَ عرضَ الدنيا الأدنى الرخيص الزائل، ويتركون الآخرة الباقية، وهي خيرٌ للذين يتقون، فتفضيلُهم عرَضَ الدنيا على الآخرة فعلُ مَن لا عقل له، مَن يستبدل الأدنى بالأعلى.
وقوله (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقامُواْ الصَّلَاةَ) مدحٌ لكلّ مَن آمن بالقرآن من المسلمين، ويدخل فيهم مَن آمَن مِن أهل الكتاب بكتبهم غير المحرفة، وآمَن بالقرآن.
و(يُمَسِّكُونَ) يتمسكونَ بالكتاب ويعمَلون به، والكتاب: للجنس، فيصدقُ على كلّ الكتب، فالمؤمنون منهم يتمسّكون بكل الكتبِ المنزّلة (وَأَقامُواْ الصَّلَاةَ) هم المسلمون، فهم الذين يقيمون الصلاة، ولذا سُمُّوا أهلَ القبلة.
وجملة (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) خبرُ الموصول في قوله (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ) واقعةٌ موقع التعليل، والتقدير: إنّا لا نضيع أجرَهم؛ لأنَّا لا نُضيع أجرَ المصلحين، وهذه بِشارة لكلّ من سعى لخير وإصلاح، خالصًا مخلصًا، أيّا كان نوع الخير والإصلاح؛ لأنّ تعليق الحكم بالمشتق، يُشعِر بعلّيّةِ ما منه الاشتقاقُ، وهو الإصْلاح.
[1]) الإسراء:4.
[2]) مريم:59.
[3]) البقرة:111.
[4]) المائدة:18.
[5]) الفرقان:41.
[6]) الفرقان:7.