طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (392)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (392)

[سورة الأعراف: 156-157]

(وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ ‌إِنَّا ‌هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ)(156-157)

هذا الدعاء: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً) من تمام كلام النبي موسى صلى الله عليه وسلم، دعا به لنفسه، وللصالحين من قومه، ومعناه: أعطنا عطاءً مُتجددًا مؤكدًا، حتى كأنّه مكتوبٌ مُوثَّقٌ، أعطنا في هذه الدنيا حُسن حالٍ، نَرضَى به ويُرضِيك عنا، من كل ما يُصلح لنا الدين والدنيا، وأَثِبنا وأعطنا حُسن حالٍ في الآخرة، ندخل به جنّتك.

(إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) إنّا تبنا ورجعنا إليك، لا تَحرمنا ما رجوناك؛ لأننا تُبنا إليك وأنبنا، وليس لنا ربٌّ سواك، يُعطينا ويَرحمنا، فـ(هُدْنَا) مِن هادَ يهودُ إذا رجع.

وقوله (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) جوابٌ من الله تعالى لطلب نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، أمَّله في نَيلِ مطلوبِه، فمَن سألتَه ربٌّ رحيمٌ، عذابُه مخصُوصٌ، يُصيبُ به مَن يشاء من عباده ولا يَعُمّ، ورحمتُه وعطاؤه واسعٌ شاملٌ، أصاب وشمَـِل كل شيء في الوجود، وإن كان يتفاوتُ بتفاوتِ المراتبِ والمنازل، فعَمَّ عطاؤه في الدنيا المطيعَ والعاصِي، والمسلمَ والكافِر، وجعل الآخرةَ لمن آمَن به خاصّة، ومنازلُهم فيها تتفاوتُ بتفاوت عمل الصالحات وتقواهم، فرحمته في الآخرة شمَـِلتهم جميعًا، حتى مَن عَصى منهم إذا ماتَ على الإيمان.

و(فَسَأَكْتُبُهَا) سأُعطي رحمتي وأُثْبتها في الآخرة (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) فصفات الذين كُتبت لهم الحالة الحسنة، والرّحمة في الآخرة، هم الذين يخافون الله ويتقونه، يأتمرون بأمره، وينتَهُون بنهيِه، يُقيمُون الفرائض، ويُؤدّون الزكاة، وخُصت الزكاة بالذكر؛ لأنها كانت شاقةً على بني إسرائيل؛ لشدّة بخلِهم وحرْصهم.

وجملة (وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) عطفٌ على (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فالرّحمة الموعود بها تشمَـُل الذين يتقونَ من بني إسرائيل في زمن موسى، وتشمل غيرهم ممن آمن منهم بآياتنا وهي القرآن، وبمحمّد صلى الله عليه وسلم، ولذا قال عنهم (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) فالنَّبِيّ الْأُمِّيّ: هو محمد صلى الله عليه وسلم، والأُمّي: هو الذي لا يَقرأ ولا يَكتُبُ، نسبَة إلى الأمة التي هو صلى الله عليه وسلم منها، وهمُ العرب؛ فإنهم وقتَ نزول القرآن كانوا كذلك، لا يقْرؤونَ ولا يكتُبون، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ)([1])، ولذا عندما أَعطى اليهود لأنفسهم العذر في التعدي على المسلمين، وأكلِ مالهم، قالوا جرأة على الله: ﴿‌لَیۡسَ ‌عَلَیۡنَا فِی ٱلۡأُمِّیۦنَ سَبِیلࣱ﴾([2]).

والأمّي لقبُ مدح للنبي صلى الله عليه وسلم، مدحَه به القرآن، وظهَر به صِدقُ معجزته؛ فإن القرآن المعجزَ جاءهم به النبيُّ الأُمي، ومع أمّية مَن جاء به تحدّى الله به الإنسَ والجن أنْ يأتُوا بمثله، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتۡلُوا۟ مِن قَبۡلِهِ مِن كِتَٰبࣲ ‌وَلَا ‌تَخُطُّهُۥ بِیَمِینِكَۖ إِذࣰا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾([3]).

وذكرتِ الآيةُ أنّ صفاتِ الناجين ممن حضروا زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مِن بني إسرائيل ومن غيرهم؛ أنّهم يتبعونَ النبيّ الأمي ويؤمنونَ به، فلا حظَّ في الآخرة لمن لم يؤمنْ بالنبيِّ الأُمي، وقوله (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنجِيلِ) تعريفٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالصفاتِ المذكورةِ في كتبِ أهلِ الكتاب، التي بشّرتْهم به، فقد وجدوه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل باسمِه، قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولࣲ یَأۡتِی مِنۢ بَعۡدِی ‌ٱسۡمُهُ ‌أَحۡمَدُ﴾([4])، ولكنهم مَحَوا ذلك وطَمَسُوهُ؛ بغيًا وحسَدًا، حتى يلتبِس على عامَّتهم أمْرُه.

ومِن صفاتِ شريعتهِ في كتبهِم أنه (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) والمعروفُ: كل ما تُقِرُّه الفطرةُ السليمة والعاداتُ الحسنةُ، مِن الخير والصلاح، والمنْكرُ: ما تنْكره الشريعة والفطرة السليمة، وما هو مِن الفساد، ومِن صفاته وصفاتِ شريعته أنه يُحِلُّ لأمته الطَّيِّبَاتِ مِن المطعومات، والطَّيِّبَاتُ: كلّ ما لا ضررَ فيه ولا هو مستَقْذَر، وليس فيه نهيٌ، ويُحرّم عليهم الخبائثَ من المطعومات، وهي ما فيه ضَرر، أو كانَ مُستقذَرًا.

(وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ويحُطُّ عنهم العنتَ، ويرفع عنهم الحرَج، وما يشُقّ مِن التكاليفِ، فالإِصْر: أصله الثِّقل والأحمال التي تثقل الكاهل، ولا يُقدَر على حملها، وهو هنا بمعنى الحرَج والمشقة الكبيرة في التكاليف (وَالْأَغْلَال) جمع غُلّ، أصلُه حديدة تُوضَع في عنق الأسير، موصولة بسلسلةٍ من حديد، أو سَير من جلد، يُقاد به المغلُول، قال تعالى: ﴿إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِیۤ أَعۡنَٰقِهِمۡ ‌وَٱلسَّلَٰسِلُ یُسۡحَبُونَ فِی ٱلۡحَمِیمِ ثُمَّ فِی ٱلنَّارِ یُسۡجَرُونَ﴾([5])، وهي هنا بمعنى الإصر: العَنَت والمشقّة.

ومِن رفعِ الإصر والأغلال؛ أنَّ شريعة الإسلام ضمّتْ إلى سماحةِ التكاليفِ ويُسرْها العدْلَ في الحكم، ورفعَ الظلم، وحَرَّمَت القهرَ، وتسَلّطَ الأقوياء على الضعفاء، الذي كانت عليه أعرافُ الجاهليّة، وكذلكَ ما عليه الجبابرة والفراعنة في كلّ الأمم، الذين طغَوا في البلادِ، فأكثرُوا فيها الفساد.

ومن أمثلة الإصْرِ الذي كان في شريعة بني إسرائيل، ووضَعَه اللهُ عنهم في شريعتنا؛ أنَّ توبتَهم من الذنب كانت لا تتمُّ إلّا بقتلِ أنفسِهم، ومنه تغليظُ تحريم العملِ عليهم في السبتِ تغليظًا شديدًا، حتى جُعلت عقوبتُه القتلَ، وما وقع عليهم مِن عقوبة المسخ، وكان مَن أصابَ ثوبَه نجاسةٌ لا يطهرهُ الماء، ويجبُ قرضُه بالمقْراض، فالحمدُ لله الذي وضعَ عن هذه الأمّة الإصرَ والأغْلال، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ ‌مِنۡ ‌حَرَجࣲ﴾([6]).

والفاء في قوله (فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ) للفصيحَة، فإذا علمتُم صفاتِ هذا النبيّ الكريم، وصفاتِ شريعتِه العظيمة، الجامعةِ للفضائل (فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ) وصَدَّقوه (وَعَزَّرُوهُ) وناصروهُ، ومَنعوا عنه الباطلَ والكذب، وأَيَّدوه بالبرهان والحجّة، وعَظَّموه، وأَظهَروا ما في شريعتهِ من المحاسِن، ودافعُوا عنه، وقاتَلوا دونهُ وعن دينه أعداءَه؛ إعلاءً لكلمة الله، واتبعُوا النور والقرآن الذي أنزله اللهُ مصحوبًا بنبوّته، معجزةً ناطقةً بصدقِها، نورًا هاديًا للنّاس، بشيرًا ونذيرًا – أُولَئِكَ الذين تقدمُت أوصافُهم هم المفلِحون، والفلاحُ مقصُورٌ عليهم، حتى إنَّ فلاحَ غيرهم مقارنةً بفلاحِهم لا يُعَدُّ فلاحًا.

فالقصرُ المأخوذ من تعريفِ طرفي الجملة (أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قصرٌ ادعائيٌّ، تأكد بضمير الفصل هم، وقوله (وَعَزَّرُوهُ) من التعزير، وأصلُه يرجع إلى المنع، فمن عزّرَ أحدًا، نصرَه ومنَعَ عنه ما يؤذِيه.

 

[1])         البخاري:1913.

[2])         آل عمران:75.

[3])         العنكبوت:48.

[4])         الصف:6.

[5])         غافر:71،72.

[6])         الحج:78.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق