المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (386)
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
الحلقة (386)
[سورة الأعراف: 132-136]
(وَقَالُواْ مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٖ مُّفَصَّلَٰتٖ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ)(132-136)
بعد أن ظهرتِ الآياتُ والمعجزاتُ لآل فرعون، بإبطالِ السحر وإيمانِ السَّحَرَة، ما زادتْهم الآياتُ إلا عنادًا واستكبارًا، فقالوا لموسى عليه السلام (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) قالوا: أيّ شيءٍ جئتَ به من الآيات والمعجزات لتخدَعنا، وتغيّر به عقولنا؛ فما نحن لك بمصدقين، فما تأتي به ما هو إلا سِحْر.
واستعملوا في نفي إيمانهم الجملةَ الاسمية (فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) ليؤكّدوا أن نفي إيمانهم أمرٌ ثابت دائم لا يتزعْزعُ، ولا رجعةَ لهم فيه.
و(مَهْمَا) اسم شرط جازم، ومعناها مبهمٌ يبَيّنُه ما بعدَه، وهو (من ءَايَةٍ) فـ(آية) مُبيِّنةٌ ومُفسِّرةٌ لـ(مَهْمَا) و(مِن) بيانيةٌ، والآية: المعجزة، والضميران في قوله: (به) و(بها) عائدان على (مَهْمَا) التي هي بمعنى آية؛ الضمير الأول (بِه) المذكر مراعاةً للفظ مَهْما، والثاني (بها) المؤنث مراعاة لمعناها وهي المعجزة، وقد دلت (مَهْمَا) هنا على التَّكرار، فإنّهم يريدون: وإن كرَّر موسى لهم المعجزةَ فلن يؤمنُوا بها.
فـ(مَهْمَا) فيها معنى التَّكرار، ولذا قالوا إنَّها تفيد التَّكرار في قول الحالف: مهما تزوجتُكِ فأنتِ طالق، فإنَّ الطلاقَ يتكررُ بتكررِ العقدِ على المرأة، عند المالكية([1]).
و(لِتَسْحَرَنَا بِهَا) لتخدَعنا بها، وجملة (فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) جواب (مَهْمَا) و(بِمُؤْمِنِينَ) بمصدقين، وبدخول الباء عليها في سياق النفي، أفادت عموم نفي الطمع في إيمانِهم على أبلغِ وجه.
فعاقبهم الله بعد تكذيبهم للمعجزات، وامتحنهم بوجوه أخرى من المحَنِ والشدائدِ، بأن أرسل عليهم الطوفان -وهو الماء- فغمرتهم السيول، وأحاطت بهم من كل جانب، دخلتْ بيوتَهم، وأفسدت حقولهم ومزارعهم، وكانت تصيب الأقباطَ وحدهم، ولا تصيبُ بني إسرائيل، وفسر الطوفان أيضا بالموت فكثر فيهم المُوتَان، وفسّر بالمصائب والشدائد التي تحيط بأصحابها من كلّ جانب، فاشتد البأسُ عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَیۡهَا طَاۤئِفࣱ مِّن رَّبِّكَ﴾([2])، ومنه في أيامنا طوفان الأقصى، عندما انقَضَّ المجاهدون في غزّة على الصهاينة في معسكراتهم وقُراهم، وأحاطوهم من كل جانب، فأثخنوهم أسرًا وقتلا، وكان ذلك في الثاني والعشرين من ربيع الأول من عام خمسة وأربعين وأربعمائة وألف، الموافق للسابع من الشهر العاشر من عام ألفين وثلاثة وعشرين.
وَأرسلَ الله على آل فرعونَ (الجَرَادَ) وهي حشرة معروفة لها أجنحة، ذات ألوان، تطير وتتنقل بأعداد كبيرة، تغطي الأفق، تَحُطّ مجتمعة، وترحَلُ مجتمعة، والفِرقة منه تسمى رَحْلًا، فإذا حَطّت بمكان غزتْه، وتكاثرتْ بأعدادٍ مخيفة، تأكلُ المحاصيل، وأوراق الشجر ولِحَاه، وتأتي على الأخضر واليابس، فلا تترك شيئًا وقعت عليه من النباتِ إلَّا أبادتهُ، فهي كاسمها (جَراد) تُجرّدُ المكان الذي حَطّت فيه.
وَأرسلَ الله عليهم (الْقُمَّلَ) وهو القُرادُ من الحجم الكبير، يلتصق بالجلد، فيَمتصُّ الدماء، وَأرسل عليهم (الضَّفَادِعَ) فتكاثرَت في بيوتهم كثرةً كريهَة، يجدونها في متاعهم وطعامهم وثيابهم، وتقفز إلى قدُورهم، وَأرسل عليهم (الدَّمَ) فتحولت مياههم إلى لون الدم، فلا يجدون ما يَشرَبون.
(ءَايَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ) أصابتهم هذه الآفات حالةَ كونها آيَات ومعجزات أعطيت لنبي الله موسى ليعتبر بها فرعون وملؤه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَایَٰتِۭ بَیِّنَٰتࣲۖ﴾ ووقع بين المفسرين اختلافٌ في تعيينها.
وقد كانت تأتيهم مفصّلات؛ الواحدة تلوَ الأخرى في وقتها، مفصولةً عنها؛ ليحصل الاعتبار بها واحدةً بعد الأخرى، وهي مفصلةٌ واضحةٌ في إقامة الحجة عليهم، لا تلتبس، ناطقةٌ بظلمِهم وعنادهم.
وكان آلُ فرعون كلَّما جاءتهم واحدةٌ منها وضاقَ عليهم الأمر، التجؤوا إلى موسى عليه السلام بأن يدعو الله لهم ليرفع عنهم الضرّ، وعاهدوه: لئن كَشَفْتَ ورفعت عَنّا الرِّجْزَ والعذاب لَنُؤْمِنَنّ لَكَ، فيُرفعُ عنهم بدعائهِ، ثم يعودون إلى ما كانوا ويَنكُثُون (فَاسْتَكْبَرُواْ وَكانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) تكبَّر قومُ فرعون عن الآياتِ وما ابتلاهم الله به مِن العذاب؛ بالطُّوفان والقُمَّل والضفادع وغيرها، ولم يؤمنوا، وبَقُوا مقيمينَ على الإثم والذنوب، فالاستكبار مبالغةٌ من الكِبْر، ومُجْرِمِينَ: آثمِين.
(وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ) وأصابهم العذاب المذكورُ من الطوفان وما عطف عليه، أو هو رجز آخر وهو عذاب الطاعون، ويُسمّى المُوتَان -أي الموت- أماتَ الله به أعدادًا كبيرة منهم؛ لمَّا أصابهم هذا العذاب، قالوا حينها لموسى (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) ولم يقولوا (ادعُ لنا ربّنا) فلازَمَهم التكبّر حتى مع حاجتِهم، فإن قولهم (رَبَّكَ) ينطِقُ بكفرهم، حيث إنّهم لم يجعلوه رَبَّهم بعدُ، والباء في (بِمَا عَهِدَ عِندَكَ) للسببية أو للقسم، قالوا له: نُقسم عليك أن تدعُوه لنا، بحقِّ عهد النبوة الذي بينكَ وبينَه كما تقولُ، وبما عَوَّدَك به من إجابة دعائك، فإنّك (لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ) أقسمَ آلُ فرعون: لو أنّ موسى عليه السلام دعا ربَّه، ورفع عنهم العذاب؛ لآمنوا، وخَلَّوا بينه وبين بني إسرائيل، فيتركونهم له.
لكن لما كان الاستكبار مصاحبًا لهم على كلِّ أحوالهم، لا يفارقُهم حتى مع الكربِ والشدائد، لم يَقدِروا أن يقولوا: لنُؤْمنَنَّ بالله، بل قالوا (لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) فجعلوا الإيمان له مكافأة على دعائه، ولم يجعلوه لله استسلامًا له، فاللام في (لَئِن كَشَفْتَ) موطئة للقسم، و(إِن) شرطية، و(كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ) رَفعت عنا العذاب، و(لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) جواب القسم، وهو سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط.
(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) وعَدُوا موسى عليه السلام أن يؤمنوا إذا كشفَ عنهم العذاب، ولما كشفَ الله العذابَ ورفَعه عنهم، بصفةٍ مؤقتة وعَدَدٍ مُسمًّى من أيامِهم ليختبرهم؛ كانت المفاجأة بالنَّكْثِ ونقضِ العهدِ على الفور والتَّوِّ، وهو ما أفادته (إذَا) الفجائية في قوله (إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) فهي واقعة في جواب (لمّا)، وهكذا فعلوا في كل مرة، نقضوا العهد، وأقاموا على كفرهم، وجَهِلوا أن الذي كشف عنهم العذاب هو الله، وليس موسى عليه الصلاة والسلام.
(فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ) هذا ما انتهى إليه أمرُهم من الهلاك، وهو ما ترتب على تكذيبهم ونقضهم العهد، قال الله فإننا أردنا الانتقام منهم؛ تنفيذًا لما توعدناهم به من الهلاك، فقوله (فَانتَقَمْنَا) متفرعٌ ومترتبٌ عن تكرر نَكْثِهم وبقائهم على كفرهم، فهو سبحانه يُمهل ولا يُهمِل، وجملة (فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) عطفٌ على (فَانتَقَمْنَا) من عطفِ الخاص على العام، أو البيان على المُبيَّن، والْيَمّ: الماء الكثير المتلاطم، فأهلكهم الله بالغرق، ومن هذا الوقت بدأت رحلتهم إلى الموت.
ثم بعد أن كشفَ الله عن فرعونَ وملئِه العذاب، رأَوْا أن يُخَلُّوا بني إسرائيل لموسى عليه السلام، فتركوهم يخرجون معه من مصر، لكن ما إنْ فعلُوا ذلك، وأَذنوا لهم، حتى نَدِمُوا، وقالوا لفرعون: قد حقَّق موسى عليه السلام ما أرادَ، أَخرجَ الناسَ من أرضهم، وترككَ من غير خدم ولا جَوارٍ، فأثارُوا حفيظتَه، فجمع جندَه، ولحِقوا بموسَى عليه السلام ومَن معه؛ ليَرُدُّوهم، وهو ما ذكره القرآن في موضع آخرَ في قوله: ﴿فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِینَ﴾([3]) متّجهينَ إلى الشرق؛ ليعبُروا البحر الأحمر إلى الشام، وهو ما ذكره الله أيضًا في سورةِ الشعراء: ﴿فَلَمَّا تَرَٰۤءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰۤ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ قَالَ كَلَّاۤ إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهۡدِینِ فَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقࣲ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِیمِ وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡءَاخَرِینَ وَأَنجَیۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجۡمَعِینَ ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡءَاخَرِینَ﴾([4])، ضربَ موسى عليه السلام البحرَ بالعصا، فانفَلقَ فِرْقَيْن، كل فِرْق كالطَّود والجبلِ العظيم، ضربَ الله لموسى عليه السلامُ في البحر طريقًا يبَسًا، وآمِنَةً من عَدوّه، وقال له: ﴿لَّا تَخَٰفُ دَرَكࣰا وَلَا تَخۡشَىٰ﴾([5]).
وأغْرى الطريقُ اليبَسُ فرعونَ، فَلَحِقَ بهم، ولما توسطوا الطريق اليَبَس داخل البحر، أطبَق الله على فرعون ومَن معه البحرَ العظيمَ كما كانَ ﴿فَغَشِیَهُم مِّنَ ٱلۡیَمِّ مَا غَشِیَهُمۡ﴾([6])، غشيهم ماءٌ عظيم متلاطم، يَعظُم على الوصْف، ولما أدركَ فرعونَ الغرقُ، وعاينَ الهلاك، آمنَ هذه المرةَ بربّ العالمين، الذي آمنَ به بنو إسرائيل، ولم تسَعْهُ المكابرة ﴿قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِیۤ ءَامَنَتۡ بِهِ بَنُوۤا۟ إِسۡرَٰۤءِیلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ﴾([7])، فقال الله له: ﴿ءَاۤلۡءَٰنَ وَقَدۡ عَصَیۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ فَٱلۡیَوۡمَ نُنَجِّیكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَایَةࣰ﴾([8]).
فالباء في قوله (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا) للسببية، أغرقناهم بسبب أنّهم كذّبوا بآياتنا، وبسبب غفلتهم عن التذكر والاعتبار، والغفلةُ معناها عدم المبالاةِ والاكتراثِ بالآيات، فعُوقبوا على تعاطي أسبابِ الغفلة؛ لأنّه مِن كسبِهم، وفيه تعريضٌ بقريش، وبكلِّ من يفعلُ فعلَهم من الغَفَلَة والغافلينَ، في كلِّ وقتٍ وحِين، فإنَّ دوامَ الغفْلة مع التنبيهِ سَببُ الهلاكِ.
[1]) حاشية البناني: 4/186.
[2]) القلم: 19.
[3]) الشعراء:60.
[4]) الشعراء:61 ـ 65.
[5]) طه: 77.
[6]) طه: 78.
[7]) يونس: 90
[8]) يونس: 91ـ92.