طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (391)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (391)

[سورة الأعراف: 152-155]

(إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ)(152-154)

هذا وعيدٌ من الله تعالى لمن عَبدوا العِجل، يخبرهم بغضبِه عليهم، ونزولِ الذلةِ بهم، بعد أن ذَكر توبيخ موسى وغضبَه عليهم، فهم جَمعوا بين غضب الله وغضب رسوله، و(سَيَنالُهُمْ) سيصيبهم وينزل بهم، وغضبُ الله عليهم هو استحقاقهُم عذابَ النّار في الآخرة، وما نزلَ بهم من عذاب الدنيا، حين أمرَهم بقتل أنفسِهم (وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وهي ما أصابهم في الدنيا بتركِهم يتيهُون في الأرض بلا وطنٍ، منبُوذينَ مكروهِين.

وفيه دليلٌ على أنّ المعاصي سببٌ للخِذلان والمذَلّةِ في الدنيا، كما أنّها مُوجِبةٌ للعذابِ في الآخرة، والافتراءُ في (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) الكذبُ الصُّراح، الذي لا شُبهَة فيه، ومثلَ هذا الجزاء بالغضب والذلّة -الذي نزل ببني إسرائيل لعبادتهم العجل- نجزِي كلَّ مُفتَرٍ، وفيه تعريضٌ بمشركي مكَّة، أنه سيَحِـُلّ بهم ما حلّ بمَن قبلَهم من الظالمينَ إنْ لم يؤمنُوا.

ثمّ أَعقبَ الوعيدَ على الكفر والمعاصي بالوعد بالمغفرة والرحمة، لمن تابَ من السيئات وعمل الصالحات، فقولُه (وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ) من الكفر، كعبادةِ العجل، وما دونَه من سيئاتِ المعاصي، ثم تابوا بعد المعاصي والسيّئات، ورجعوا إلى الله وندمُوا، أو ءامنوا بعد كفر؛ فإنَّ الله يتوبُ عليهم ويغفرُ لهم، ولو كثرتْ ذنوبهم، ولو كانتْ توبتُهم متراخيةً بعد حين، وليستْ على الفور، وهو ما أفاده العطف بـ(ثمّ) في قوله (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا) فتابُوا بعد السيئات التي عمِلوها، وجملةُ (وَآمَنُوا) عطفٌ على تابُوا، من عطف الخاصّ على العام، فالتوبةُ تكون من الكفر ومن غيره، والإيمانُ يكونُ من الكفر خاصّة.

والخطابُ في قوله (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) للنبي صلى الله عليه وسلم، إن مغفرة الله مؤكَّدةٌ لِمَن تابَ، فإن الإيمان يَجُبُّ ما قبله، والتوبة تغفر الذنوب جميعًا مهما عظُمت، وهذا من فضل الله تعالى على عباده، قال تعالى: ﴿قُلۡ یَٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ ‌لَا ‌تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ﴾([1]).

وقوله (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ) عطفٌ على مُقدر مفهوم من السياق، فسكتَ عن موسى الغضبُ بتوبة قومه، ولما سكتَ عنه الغضب أخذَ الألواح، وسكوتُ الغضب: سكونُه وذهابه؛ لأن الغاضب عند فوَران الغضب، نفسه وخواطره تحدثُه بالانتقام وردود الأفعال، فإذا ما سكنَت نفسُه عن تحريضه على ردودِ الأفعال، ذهبَ الغضب.

وفي استعمال (سَكَتَ) في هذا الموضع إرشادٌ إلى الابتعاد عن كل ما يحرك خواطر الغضب عند دواعيه، فإن السكوت عنها يميتها، وذهاب ُغضب موسى كان بسبب ندم قومه، واعتذارِ أخيه له، فعادَ وأخذَ ألواحَ التوراة التي ألقاها.

(وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) ففي ألواح التوراة التي أنزلها الله من المواعظ والأحكام، وما نسخ وعُمّم منها ونُشر قبل تحريفِها؛ هدايةٌ وإرشادٌ وبيانٌ، ورِفقٌ ورحمةٌ وإحسانٌ، لكلّ مَن آمن وخافَ اللهَ والدارَ الآخرة، فـ(نُسْخَة) في قوله (وَفِي نُسْخَتِهَا) بمعنى المنسوخ، كخُطْبَة بمعنى المخطوب، ولام (لِرَبِّهِمْ) لامُ التقوية؛ لأنّ عمَل الفعل (يَرْهَبُونَ) في معموله المتقدّم عليه (ربِّهم) يَضعف، فيُؤتَى باللام لتقويتِه، ويَصلح أن تكون اللام في (لِرَبِّهِمْ) للتعليل، فرهبتُهم وخوفُهم لأجل ربّهم، لا لرياءٍ ولا سمعة، و(يَرْهَبُونَ) مِن الرهبة، وهي الخَوف.

(وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُ ‌سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ)(155)

اختار موسى أحسنَ سبعين رجلًا من قومه لميقاتِ ومواعدة ربّه، وهذه مواعدةٌ وميقات آخر، أمره به ربه بعد الميقات الأول والمواعدة الأولى، التي أُعطي فيها الألواح، فإنّ قومه لما عبدوا العجل، وغَضِب عليهم، تابوا وندِموا، ولم تُقبل توبتهم إلَّا أن يَقتلوا أنفسَهم، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوۤا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ ‌فَٱقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ﴾([2])، فلما قتل بعضهم بعضًا، التجأ موسَى إلى الله، ودعاه ليعفوَ عنهم، فأمره اللهُ أن يأخذ سبعين رجلًا من خِيرتِهم، يخرجون معه إلى الطور، يتضرَّعون إلى الله أن يرحمَهم، وخرجَ معهم غيرُهم.

فلما جاؤوا مع موسى إلى ميقات ربه؛ ليتضرّعوا، خالفوا ما أَتَوا من أجله، وطلبوا من موسى أن يُريَهم اللهَ جهرةً عِيانًا؛ فصُعِقوا، وأخذتهم الرجفة، وصاروا أجسادًا هامدين، فاشتدّ على موسى الأمر؛ لأنّ قومه ينتظرونهم، وهم خِيرتهم من الرجال، وقد تقدّم مزيد بيان في تفسير نظير هذه الآية في قوله: ﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ یَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةࣰ﴾([3]) في سورةِ البقرة.

(فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِن قَبْلُ وَإِيَّايَ) قال موسى: رَبِّ لو أَردتَ إهلاكهم لأهلكتهم قبل هذا الوقت، حين عبدوا العجْل، ولو شئتَ أهلكتني معهم، وإن كنتُ لسْتُ معهمْ، ولم أكن حاضرًا حين عبدوه؛ لأنّك تفعلُ ما تريد، أَمَا وقد رحِمتهم، فلم تُهلكْهم، ورحمتَني فلم تهلكْني، أَتُهْلِكُنَا الآنَ بِمَا فَعلَ السُّفَهاءُ مِنَّا، إني أستغيثُ بك، وأُظهر إليك ما بنفسي من تفجُّع وخوفٍ ورهبةٍ، راجيًا العفو والمغفرةَ، مِن أن ينزلَ بنا غضبُك بسبب ما فعله السفهاء منّا، وهم عبدةُ العجل، وسمّاهم سفهاء؛ لأنهم عَطَّلوا عقولهم بِخِسّةِ ما ارتكبوه، من عبادةِ صنم لا يكلّمهم، ولا يهدِيهم سبيلًا.

فالاستفهامُ في (أَتُهْلِكُنَا) للتفجُّع، وقال (أَتُهْلِكُنَا) بضمير التكلُّم المتصل ولم يقل كما في الذي قبله (أَهْلَكْتَهُمْ مِن قَبْلُ وَإِيَّايَ) لأنه في هذه المرةِ كان مصاحبًا لهم حينَ صدر منهم ما استوجبَ عقوبةَ الصعْق، وهو قولهم: ﴿أَرِنَا ‌ٱللَّهَ ‌جَهۡرَةࣰ﴾([4])، وقوله (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) يدلّ على أن موسى لم يُصعَق معهم.

والفتنةُ في قوله (إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ) الاضطرابُ والحَيْرة، والوقوعُ في الشدة مع اختلاط الأمر، والهرْج والمرْج، والضمير في (هِيَ) يرجع إلى الحالة التي وقعوا فيها من عبادةِ العجل، فما هي إلا فتنةٌ ابتُلوا بها، بعد أن حَذَّرهم اللهُ منها، عندما قالوا: اجعل لنَا إلهًا كما لهم آلهةً، والباء في (تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ) للسببية، فتُضلُّ بسبب الفتنة مَن تريدُ إضلالَه؛ لتفريطِه ومتابعةِ هواه.

فقوله (بِهَا) متعلِّقٌ بـ(تُضِلُّ) لا بـ(تَهْدِي) لأنّ الفتنةَ لا تكون سببًا للهداية إلّا بتكلّف (وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ) وتوفِّقُ للهداية مَن أردتَ توفيقه؛ لحرصِه واستقامتِه على الدّيانة (أَنتَ وَلِيُّنَا) أنت متولِّي أمرِنا ومولانا، فالْمَولى مِن أسماء الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قُولُواْ: اللهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ)([5]).

وهذا خطابُ تذلل، توطئةٌ لمَا بعده من التضرع، وطلبِ المغفرةِ والرحمة، فاللهُ يحبُّ المُخبِتِين المتضرعينَ (فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) ارحمْنا وزدْنا مغفرةً ورحمةً، فأنت خيرُ من يغفرُ ويرحم على الإطلاق.

 

[1])         الزمر:53.

[2])         البقرة:54.

[3])         البقرة:55.

[4])         النساء: 153.

[5])         البخاري:4043.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق