طلب فتوى
مقالاتمقالات المفتي

شُؤونُ الدُّنيا للحكّامِ، وشُؤونُ الآخرةِ للعلماءِ

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرّحيمِ

شُؤونُ الدُّنيا للحكّامِ، وشُؤونُ الآخرةِ للعلماءِ

هذه مسألةٌ قديمةٌ حديثة، تُقَسِّمُ أفعالَ المكلفين إلى قسمينِ؛ ما تعلقَ بالعباداتِ الشعائرية، والزواجِ والطلاقِ والموتَى؛ فهو للشيوخِ ودُور الفتوَى، لهم أن يقولوا فيه حلال وحرام، وما كان من مسائلِ الحُكم والنفوذ والمال والاقتصادِ والسياسة، والعلاقاتِ الدولية والسلم والحربِ، فهو للساسةِ والحكامِ؛ مصالحُ ومفاسدُ، لا فتاوَى علماء؛ لأنّ هذا من شؤون الدنيا –   في نظر من يُقَسِّمون هذا التقسيم وشؤونُ الدنيا تصرّفَ فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم بصفة الإمامةِ، لا بصفةِ التبليغ والفتوى، ولأنّه صلى الله عليه وسلم قال: (أنتُم أعلمُ بشؤُونِ دُنياكم).  

وقد أسرف بعضُ الناسِ على نفسِه في هذا الباب إسرافا كبيرا حتى أخرَجوا مِن الناحيةِ الفعليةِ معظمَ أعمالِ المكلفينَ عن دائرةِ الحكمِ الشرعيّ، المنضبط بقواعد التشريع، وتركوها لهوَى النفوس، حسبَ ما تراهُ مِن مصالحَ ومفاسدَ.

 

وهذا التحجير على الفقهاء بألا يتكلموا إلا في أبواب العبادات، معناه أنّ كلّ ما تركَه الفقهاء، قدماء ومحدثونَ، مِن تراثٍ فقهي موسوعيّ ضخم ممّا يُعدُّ مفخرةً في تراثِ هذه الأمة يُفترضُ أن يكونَ كلُّه مِن صنعةِ أهل السياسة، وخُبراء الإدارةِ ونحوِهم، وأن ما قاله الفقهاء في هذه المصنفات ليس مُلزِمًا لأحد، ولا هو من دين الله، وَأَنَّ الأمة أخطأت خطأ فادحا إذ جعلته حلالا وحراما، وكان الواجبُ ألا يَختلف عمّا جاءَ في قانونِ نابليون، ولا في الوثائقِ الصادرةِ عن الأمم المتحدة، وما ارتآه خبراؤُها من المصالحِ في حق الدول، أو المجتمعات، أو المرأة، أو الفلسطينيين، أو غير ذلك، لأنه من شؤونِ الدنيا، وشؤونُ الدنيا مصالح ومفاسد، وليست فقها وحلالا وحراما!

ولا يخفى على ذي عقل أن هذا تلاعبٌ بالشريعة، وتنصلٌ مِن الدينِ بأكمله، أشبهُ هذه الأيام بما يجرِي عندنا في المسألةِ الليبيةِ، كلما أُلْزم المجتمعُ الدوليُّ بحكم مِن أحكامِ القانونِ، ولو حكمِ المحكمةِ العليا التي حسمت النزاع في ليبيا، تهرّبوا من القانون وقالوا: الموضوعُ في ليبيا سياسيّ!

القانون في بلادهم مُقَدّس لأنهم يعلمون أنه يَضبطُ الأمور، وفي بلادنا وضعوه تحت النعال، وقالوا: المسألة سياسية!

لأنهم يعلمون أن تعطيل القانون معناهُ الفوضَى، ومعناه إزاحة كل ما يعوقهم لفرض هيمنتهم وتمكينهم أن تمتد أيديهم وأيدي من يأتمرون بأمرهم إلى صرف أموال المصرف المركزي في أهوائهم ومُجونهم، وأن يسلطوا علينا في ظل تعطيل القانون من يسومُنا سوء العذاب!

ولم يُجَرِّئ هذا البعثةَ الأمميةَ على تعطيل قوانيننا وحسب، بل أيضا على القوانين التي تُنظِّمُ عَمَلها في بلادنا، فتحولت من بِعثة داعمةٍ إلى مندوبية سامية، ووصاية دائمة، تتدخل في كل شؤون الوطن، وتحول في غياب القانون بعضُ من ينتسبون إلى الثوار في طرابلس من حُماة للثورة إلى التهافت على الحراسة لأعدائها، الذين لا تُخطئهم العين، يَتَنَقّلون داخل المدينة في حمايتهم.

فرَّغوا أنفسهم لحراسة أعداء الثورة والوطن، أما رموزُ الثورة مِن ثوار، وعلماء، وإعلاميين، ونشطاء، فاستهدفوهم في جرائمَ حرابةٍ وخطفٍ وتهديدٍ حتى اختفوا ولم يعودوا قادرين على الظهور كظهور أعداء الثورة، فاختلت الموازين، وانفرط العِقْد.

اختارت هذه الفئةُ من الثوار التي تستهدفُ أبناءَ الوطن، وتحرسُ أعداءه اختاروا لأنفسهم ولجهاتهم التي ينتمون إليها عاراً لا يُمحى!

والمسألتان الشرعيةُ والليبيةُ ببداهة سواء!

فكما أن القول إن الموضوع في ليبيا سياسي معناه الفوضى وتضييع القانون، لتَضْيِيعِ القضية الليبية، فكذلك القولُ بأن مسائل الدنيا ليست فقهيةً مضبوطةً بقانون الشريعة في الحلال والحرام، بل تحكمها المصالح والسياسة معناه أيضا الفوضى وتضييعَ أحكام الشريعة وتعطيلها!

وبطلانُ هذا الكلامِ في المسألتين يُغني عن إبطاله، ففي حالة الشريعة، النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بتبليغِ القرآنِ كلّه، ولم يُؤْمر بتبليغِ أقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ، ويَتْرُك أفعالَ المكلَّفينَ الأخرَى لأهوائِهم، وفي القرآن خمسمِئةِ آية مِن آياتِ الأحكام، تُبين الحلالَ والحرامَ، والفقهاءُ همُ الذينَ بَيَّنوها ويُبَيِّنونها.

ومن آياتِ الأحكامِ الكثيرة في القرآن وهي غيرُ عباداتٍ ما يتعلقُ بالعقوباتِ، وبالحكم والسياسة، وبالمال والاقتصاد، والعلاقات الدولية، والقضاء، وغيرها وهو كثير، وسأذكر نماذج منها تُغني عن سائرها.

فمن العقوبات في القرآن، وهي حلال وحرام وليست عبادات ؛ حدِّ الزنا والقذف والسرقة والحرابةِ، والقصاص في النفس وفي الأطراف، وكلُّها الالتزامُ فيها بنصوصِ القرآن، ولا أحد قال إن الحكم فيها للخبراء بالمصلحةِ.

وفي العلاقاتِ الدولية، أو ما يسمى بالقانونِ الدوليّ، آيات تُبينُ حكمَ علاقةِ المسلمينَ بغيرِ المسلمين، في السلمِ والحربِ والمعاهدات والاتفاقياتِ ومعامَلة الأسرَى، وهي أيضا ليست عبادات، الحكمُ فيها لنصوصِ الكتابِ والسنة، لا للمصالح.

يقول الله تبارك وتعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

وفي المعاهداتِ والوفاءِ والنقضِ والمواثيقِ: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) ، (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)،(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانهمْ مِنْ بَعْد عَهْدهمْ وَطَعَنُوا فِي دِينكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّة الْكُفْر إِنَّهُمْ لَا أَيْمَان لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)، (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)، (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ).

ويذكر الله الموالاةَ وهيَ الأساسُ الذي تقوم عليه العلاقة الدولية للمسلمين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، (إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، هذه كلّها أحكام منصوصٌ عليها في القرآنِ، وهي مِن أحكامِ السياسة والعلاقاتِ العامة، وليست عبادات!

وفي أحكام القضاءِ وإجراءاتِه، يقول الله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، وينهى عن رشوة الحكام، فيقول: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)، وبَيّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن من أخذ شيئا بخصومة فاجرة فإنما يقتطع قطعة من النار، وفي أبواب الشهادة: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)، (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)، (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا)، (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ).

وفي المعاملات المالية والاقتصاد؛ تحريمُ الربا، وتحريم أكلِ المال بالباطلِ، وحِلِّيَّةُ التجارةِ والبيعِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

وفي مسائل الديون والتوثيق والرهن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)، (وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَة)، وفي إنظارِ المعسر (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ).

فهذا بعضٌ مِن آياتِ الأحكامِ في القران ليست عبادات، ومن المنطقة المحظورة عن أهل الفتوى في نظر هؤلاء، أخبرونا بربكم لمن القولُ فيها: لأهل الشريعة أم للساسة! وهل القول فيها فتوى أم مصالح ومفاسد!

ويلزمُ مَن قالَ: الحلالُ والحرامُ خاصٌّ بالعباداتِ، أن يكونَ الحكمُ في كلِّ ما ذُكر مِن آياتِ الأحكامِ للمصالحِ التي يَراهَا الساسَةُ، وليسَ للنصوصِ التي جاءت في القرآن، وهو دون شكٍّ مِن التلاعب وإِفسادِ الدِّينِ، والردِّ على الله قولَه بالأهواءِ وآرَاءِ الناسِ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).

وللحديثِ بقية

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

6 جمادى الأولى 1438 هـ

الموافق 3 فبراير 2017م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق