طلب فتوى
الصلحالفتاوىالمعاملات

التحكيم عن طريق مجالس الصلح الأهلية

شروط التحكيم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4374)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

هل يجوز إلزام الخصم بالتحاكم لمجالس الصلح الأهلية، غير المخولة من الدولة، وفي حال طلب أحد الأطراف الاحتكام للقضاء الوضعي، فهل يعتبر فعله مخالفًا للشرع الإسلامي؟

الجواب:

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعد:

فإن تحاكم المسلمين عند تنازعهم قد حدده الله عز وجل، بالردّ إلى الله سبحانه وتعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]، ونهى وحذر من سلوك سبيل المنافقين، الذين يرغبون عن حكم الشرع إلى غيره، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُـمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِنْ يَّكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَّحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُـمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَّقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 48-51]، وقد نقل القرطبي رحمه الله عن الطبري وغيره: “… إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ اسْمُهُ بِشْرٌ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَدَعَاهُ الْيَهُودِيُّ إِلَى التَّحَاكُمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ الْمُنَافِقُ مُبْطِلًا، فَأَبَى مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنَا، فَلْنُحَكِّمْ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِ … وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَمَّ مَنْ دُعِيَ إِلَى رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ بِأَقْبَحِ الذَّمِّ” [الجامع لأحكام القرآن: 12/293-294].

والتحكيم عن طريق مجالس الصلح الأهلية لإصلاح ذات البين، والفصل في المنازعات بالحق الذي جاءت به شريعة الإِسلام، جائزٌ بالإجماع؛ قال تعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إنْ يُّرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 53]، وقَبِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حُكْمَ سعد بن معاذ رضي الله عنه في يهود بني قريظة، لما اتفقوا على الرضا بحكمه؛ قال النووي رحمه الله: ” فِيهِ جَوَازُ التَّحْكِيمِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي مُهِمَّاتِهِمُ الْعِظَام، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ” [شرح مسلم: 12/92].

ويشترط في المُحَكَّمِ أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا لا فاسقًا، وألا يكون خَصْمًا لأحدِ المتنازعين، ولا جاهلًا بالأحكام الشرعية؛ قال الدردير رحمه الله: “(وَجَازَ) لِلْخَصْمَيْنِ (تَحْكِيمُ) رَجُلٍ (عَدْلٍ) عَدْلِ شَهَادَةٍ: بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، حُرًّا، بَالِغًا، عَاقِلًا، غَيْرَ فَاسِقٍ (غَيْرِ خَصْمٍ) … وَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ الْخَصْمِ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى إنْ حَكَمَ صَوَابًا… (وَ) غَيْرِ (جَاهِلٍ) بِأَنْ يَكُونَ غَالِبًا عَالِمًا بِمَا حَكَمَ بِهِ إذْ شَرْطُ الْحَاكِمِ أَوْ الْمُحَكَّمِ الْعِلْمُ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ – أي: العلم بالأحكام الشرعية – وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ” [الشرح الصغير: 4/198].

فإذا حكَّموا جاهلًا، ولكنه استفتى بعض أهل العلم وحكم بقولهم، فحكمُه نافذٌ؛ قَالَ اللَّخْمِيُّ رحمه الله: “إنَّمَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ إذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ عَدْلًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ عَامِّيًّا وَاسْتَرْشَدَ الْعُلَمَاءَ، فَإِنْ حَكَمَ، وَلَمْ يَسْتَرْشِدْ لم يجز ورُدَّ، وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخَاطُرٌ مِنْهُمَا وَغَرَرٌ” [التبصرة: 11/5337].

ويشترط في التحكيم رضا جميع الخصوم به، ولا يجوز للمحكم البت في بعض القضايا التي هي من اختصاص القضاء، كإقامة الحدود ونحوها؛ قال ابنُ فرحون رحمه الله: “إنَّ الْخَصْمَيْنِ إذَا حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَارْتَضَيَاهُ لأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَلَا يُقِيمُ الْمُحَكَّمُ حَدًّا، وَلَا يُلَاعِنُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَا يُحَكَّمُ فِي قِصَاصٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ، وَإِنَّمَا اُسْتُثْنِيَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ لِاسْتِلْزَامِهَا إثْبَاتَ حُكْمٍ أَوْ نَفْيَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَحَاكِمَيْنِ، وَمَنْ عَدَا هَذَيْنِ الْمُتَحَاكِمَيْنِ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ هَذَا الْمُحَكَّمِ” [تبصرة الحكام: 1/62].

فإذا حَكَّم الخصوم برضاهم شخصًا أو مجموعةً بالشروط المذكورة، فحُكْمهم لازمٌ لجميع الأطراف، ولا يجوز ردُّه، ما دام موافقًا لقولٍ معتبَرٍ شرعًا من أقوال أهل العلم؛ قال ابن الجلاب رحمه الله: “وَإِذَا حَكَّمَ الرَّجُلَانِ رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، فَرَضِيَ أَحَدُهَمَا بِحُكْمِهِ، وَسَخِطَ الآخَرُ؛ لَزِمَهُ حُكْمهُ؛ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحَكَمَ بِمَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَوَاءً وَافَقَ حُكْمَ قَاضِي الْبَلَدِ أَوْ خَالَفَهُ، مَا لَمْ يَخْرُجْ بِحُكْمِهِ عَنْ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ” [التفريع: 2/258].

ولا مانع أن يلجأ المحكَّم إلى الصلح بين المتنازعين، بعد تبيين ما لكل خصم من الحقوق، بما لا يخالف الشرع المطهر، بشرط الرضا وعدم الإجبار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الصّلحُ جَائِزٌ بَينَ الْمُسْلِمِينَ، إِلّا صُلْحاً حَرَّمَ حَلَالًا أو أَحَلَّ حَرَاماً) [الترمذي: 1352، أبوداود: 3594، ابن ماجه: 2353].

ومما سبق يتبين أنه لا يجوز إجبار الخصم على الاحتكام إلى مجالس الصلح، خاصةً إذا لم تتوفر فيها الشروط المطلوبة، فإذا لم يتراض الخصوم ولم يصلوا إلى حل؛ فلا بُدَّ من اللجوء إلى القضاء لفض النزاع، ووضع الأمور في نصابها، وإعطاء كل ذي حق حقه.

والقول بأن القضاء في بلادنا وضعي خارج عن الشرعِ هكذا بإطلاق غير صحيح؛ لأنّ غالب القوانين التي يحكم بها القضاة مأخوذةٌ من أقوال معتبرة لفقهاء الإسلام، وما كان فيها من مخالفة قد تم تعديله أو إلغاؤه، مِن قبل لجنة مراجعة القوانين، التي شكلها المؤتمر الوطني العام بالخصوص، وقد أقر المؤتمر ما توصلت إليه، فعلى الناس مطالبة الدولة بتفعيل القوانين المعدلة في محاكمها، وعلى القضاة العمل بهذه القوانين المعدلة، ولا يحل لهم الحكم بالقوانين المخالفة للشريعة، والله أعلم.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد العالي امحمد الجمل

حسن سالم الشّريف

 

الصّادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

18//جمادى الآخرة//1442هـ

31//01//2021م

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق