طلب فتوى
مقالاتمقالات المفتي

الجدار الفولاذي ومسؤولية الأمة

الجدار الفولاذي ومسؤولية الأمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الجدار الفولاذي ومسؤولية الأمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد،

فإن الموقف العام للمسلمين من حصار غزة مُخْزٍ ومشين، تحرك المسلمون لنصرتهم أيام العدوان الصهيوني المدمر على القطاع، فنشطت الحملات من المجتمع المدني للمساعدة، وكان في الناس حماس شديد للعون والبذل ينال من العدو ويشد أزر من هب دفاعا عن الأرض والعرض.

موقف الحكومات حينها كان موقف فتور، ثم دب الفتور الذي أصاب الحكومات إلى الناس عامة وأَلِفوا معاناة أهل غزة من الحصار كما ألفوا ما نزل بهم من الدمار.

هبت بعض الحكومات العربية والأوروبية بقيادة الأمريكان للاجتماع على الفور في شرم الشيخ عقب العدوان، وخرجوا بقرارين؛ الأول ـ منح مئات الملايين لإعمار غزة التي دمر فيها كل شيء حتى  الشجر والحجر، والثاني ـ إحكام الحصار على أهلها من الجهة المصرية حتى لا يُهَرَّب السلاح، فنُفِّذ القرار الثاني على الفور بتصنيع صفائح الفولاذ، وعُطِّل القرار الأول بالإعمار، وهي مؤامرة واضحة لا تحتاج إلى برهان، فإن القرار الأول كان من أول الأمر  حبرا على ورق، وُضع في اجتماع شرم الشيخ الذي انعقد سريعا عقب العدوان لتتظاهر الدول الكبرى وحلفاؤها، بالتجرد في المواقف والتعاطف مع أهل فلسطين، وفي حقيقة الأمر هو اجتماع لحلفاء الصهاينة، مطلوب منه القيام بعمل يُحَقِّق لليهود ما عجزوا عن تحصيله بقصف المدافع والطائرات أيام الحرب ـ وهو إحكام الحصار وتجويع أهل غزة حتى الاستسلام أو الموت، لأن أهل غزة وحدهم هم الذين بقيت فيهم فئة تمانع وترفع في وجه العدو السلاح  وترفض الاستسلام، فالعمل على إخضاعها هو الشغل الشاغل للصهاينة وحلفائهم.

واجب العامة :

واجب المسلمين قاطبة مقاومة هذه القرارات الدولية الظالمة وإسماع صوت الاحتجاج للدولة الكبرى التي تقود هذا العدوان وتُعطيه المشروعية الدولية وتتولى كِبَر هذه القرارات الجائرة وتعمل على تنفيذها ليل نهار، كل مسلم فرض عليه أن يعمل على كسر حصار الفلسطينيين ونصرة قضيتهم بما يقدر عليه من دعم مادي ومعنوي وبكل ما يُضعف عدوه وينال منه، مهما بدا عمله صغيرا، فإن القليل مع القليل كثير، والصغير مع الصغير كبير.

ومما يُضعف من عدوه وينال منه المقاطعة الاقتصادية، المقاطعةُ الاقتصادية سلاحٌ فعال، وكل مسلم في أنحاء الدنيا يقدر عليها، ولو علمت أمريكا أو أي دولة داعمة للصهاينة وقفة صارمة جادة من المسلمين بالمقاطعة، لأعادت النظر في مواقفها، ولحسبت للمسلمين ألف حساب، المصيبة العظمى أن المسلمين بعدما يزيد على ستين عاما من النكبة واحتلال فلسطين لم يبدءوا بعد ولو عملا واحدا جادا طويل المدى لإضعاف عدوهم، مهما كان هذا العمل صغيرا، لا تزال ردود أفعالهم عشوائية انفعالية مرهونة بقيام الحدث، فإذا ما مَرَّ هدأ الناس وسكنت النفوس ورجع ما كان إلى ما كان من السلبية والغفلة، والتفريط في الأرض والعزة والمقدسات .

واجب العلماء:

العلماء والدعاة وأصحاب الرأي والفكر الذين كان دورهم على مر التاريخ الإسلامي حمل رايات الجهاد وتقدم الصفوف، هم الآن قسمان؛ قسم ضعيف صوته خافت أو لا صوت له على الإطلاق، وقسم فريقان؛ فريق جعل ظهره جسرا على جهنم مطية للحاكم، يُزَيِّن له سوء أعماله، ويعطى لباطله الشرعية، لِيُسْتَنْفَر للبحوث والاجتهاد في قضايا من الوضوح لا تخفى عن الصبيان.

ألم يسمع من أفتى بحلية ضرب الجدار على الثغور التي هي المنفذ الوحيد لإطعام الجياع وإنقاذ القطاع من الموت والهلاك ـ أمر الله تعالى للمؤمنين كافة بالصبر والمرابطة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، أم أن الرباط الذي أمر به القرآن هو الرباط على ثغور المسلمين وإحكام القبضة عليهم حتى الموت لصالح عدوهم، والقيام نيابة عنه بإذلال أهليهم واضطرارهم إلى التسليم؟!

أم هي الفتوى للمنصب وإرضاء السلطان (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ  فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار)، (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).

ألم يسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما خرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ” قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) .

ألم يسمعوا بإغاثة الملهوف وأن الله تبارك وتعالى غفر لِبَغِيٍّ أروت كلبا عطشان، ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ” قال: قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (غُفِرَ لامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ ـ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ ـ يَلْهَثُ، قَالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ)، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِن الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا، قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)، وعنه أيضا عند البخاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ)، والبوائق: الشر والغدر، وفي حديث عائشة قالت: قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ).

حتى الكلاب والقطط لا تحبس للموت جوعا وعطشا في دين المسلمين، فكيف بمن فُرض على كل مسلم أن يقاتل عنهم ويدفع العدو دونهم، كيف تُحِلُّون للحكام إضافة حصار على إخوانكم فوق حصار العدو وأنتم تقرءون كتاب الله صباح مساء (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وتسمعون هدي النبوة في قول رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمََ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

وفريق آخر من العلماء مهادن لا يزال ينازع ويُبدّع مقاطعة الأمريكان، بل لا يُقِرُّ حتى الدعاء عليهم جهارا بأسمائهم، ولا يرضي أن يقنت المسلمون بالدعاء عليهم في أدبار الصلوات، ألم يبلغ هؤلاء أيضا أن الله أمر بإعداد العدة والأخذ بأسباب القوة وبكل ما يُقَوِّى شوكة المسلمين ويُضعف عدوهم وينال منه دون حد ولا تحجير، مما تدخل فيه كل وسيلة من وسائل العصر مهما تطورت وبان نفعها للمسلمين!

والسؤال: هل في الدعوة إلى مقاطعة الدولة الكبرى ـ التي لا تُخفي عدائها للمسلمين ـ نيل منها وإضعافٌ لاقتصادها، أم لا؟ فإن كان الجواب هو بالأول، وهو لا شك كذلك، مُسَلَّم به لدى كل عاقل، فإن الله تبارك وتعالى يقول: (وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلا إِلا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، ويقول: (وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)، ويقول: (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً)، وإذا كان هذا من القرآن لا يُخرج الأمر لمقاطعة الأمريكان من دائرة البدعة، ألا يكون أمر النبي صلى الله عليه وسلم باعتزال الثلاثة الذين خُلِّفوا فلا يكلمونهم ولا يبايعونهم ولا يُشَارُونهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت إلى أن صدقت توبتهم ـ دالا على أن للمقاطعة أصلا في الكتاب والسنة، اسمعوا إلى ذاك الصحابي الجليل ثمامة بن أثال حين كان حديث عهد بإسلام وقد تنقصت قريش اعتناقه للدين الجديد ولحوقه بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقالها لهم مدوية: (وَلا وَاللَّهِ لا يَأْتِيكُمْ مِن الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

إذا كان هذا كله لا يدل على مشروعية المقاطعة، فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون!!

واجب الحكام:

أما من يباشر من الحكام ضرب الجدار الفولاذي بحجة منع التسلل وتهريب الممنوعات، فَبَيِّن أن الممنوعات المراد إيقافها هي السلاح والطعام وسائر مقومات الحياة، ولا يخفي أن في مثل هذا العمل دعما للعدو وخدمة له، وإلا يكن هذا هو الهدف الأول والأخير من إقامة الجدار فلم لم يضرب جدار عازل على الحدود المصرية من الجهات الأخرى، فبوابات الحدود لكل دولة في سائر الدنيا تُضبط فيها الممنوعات والمخدرات والمتسللون على اختلاف مشاربهم وأغراضهم وألوانهم.

أَذَكَر هؤلاء الحكام الذين يباشرون ضرب الحصار الفولاذي على إخوانهم في غزة بأن في هذا العمل موالاة للكافرين ومظاهرة لهم على المسلمين، والله تعالى يقول: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)، ويقول الله تعالى: )تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)، ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ)، إلى أن يقول: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)، وانظر إلى هذا التحذير في هذا السياق إلى قوله تعالى: (ما أخفيتم وما أعلنتم) فإن ما يُعلن عادة ويُتظاهر به من التبرِّي من نُصرة العدو غير ما يخفونه عن الناس، والله مطلع عليه، ولذا نَبَّه عنه ليَحْذَروه.

أمَّا باقي حكام العرب والمسلمين الذين يرون ما يُفعل بأهل غزة ولا يُحركون ساكنا لمنع هذا العمل الآثم فهم شركاء للفاعل، والأدنَوْن منهم جوارا أعظم مسؤولية من الذين يلونهم، فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً)، فالأمر يبدأ بالذين يلون الكفار ثم الذين يلونهم وهكذا، وقد ثبت في الصحيح من حديث أنس ” أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)،  فبَيَّن الحديث أن نصرة الظالم أن يُؤخذ على يديه ويُمنع من الظلم.

وإذا كانت مصر دولة فقيرة يمنعها من مخالفة ما تُمليه عليها الدول الكبرى خوف قطع المعونات عنها، فالواجب على دول النفط والدول الغنية من بلاد المسلمين أن تحل محل هذه الدول الكبرى وتتقاسم هذه المساعدات وتُحَرِّرَها من التبعية، هذا هو الطريق العملي للإصلاح، بل للاستقرار ودوام الملك، حتى لمن يريد حُكما ومُلكا.

دور المجالس العلمية المستقلة:

عامة الناس تحس بعظم المسئولية الدينية الملقاة عليها تجاه قضايا المسلمين، ومنها قضية فلسطين، ولا تنقصهم الرغبة في أن يُقَدِّموا شيئا يعود على الأمة بالنفع في العاجل القريب أو الآجل البعيد، لكن ينقصهم التوجيه من علماء الأمة لما ينبغي فعله، وما هو طاعة وقربة لله فيأخذون به مما ليس كذلك فيتركونه، حتى المجالس العلمية المستقلة التي لا تتبع الحكومات ولا يُهَيْمِنُ عليها سلطانَها لم تَصْدُر عنها بيانات باسمها تتولى مثل هذا العمل الإيجابي في القضايا المصيرية، وذلك مثل توجيه خطاب للمسلمين كافة باللغات المختلفة، لا لتندد بالعدو وحسب، بل ليُبَيَّن ما يجب على كل مسلم أن يفعله بصورة عملية في ما ينزل بالمسلمين من ذلك.

فعلى سبيل المثال ـ في العمل الجماعي لنصرة قضية فلسطين ـ الناس بحاجة إلى بيانٍ من جهة يثقون بها يَنُص على أنه يتعين على كل مسلم في أنحاء المعمورة ألا يشتري سلعة أمريكية يوجد لها في السوق بديل، ويحض المسلمين على دعم القضية وفك الحصار عن الفلسطينيين، مع بيان وسائل الدعم المتاحة وتفعيلها، وإيجاد وسائل مشروعة لها في ظل القوانين المهيمنة وانحيازها ضد المسلمين، وتكون هذه الوسائل تحت إشراف هذه المجالس العلمية لتثق الناس بها.

وبعض أهل العلم، مثل فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ـ حفظه الله ـ مواقفه مشرفة في دعم القضية ونصرة المجاهدين، وله في كل ما يَجِدُّ من أحداث حضور مشكور، لكن هناك فرق كبير الأثر بين أن تصدر مثل هذه البيانات باسم مجالس علمية، وبين أن تصدر باسم صاحبها شخصيا، نريد أن تكون هناك بيانات موجهة للمسلمين عبر وسائل إعلام خاصة بها، بلغات مختلفة، صادرة باسم المجلس الأعلى لعلماء المسلمين وأمثاله من المجالس والمجامع العلمية، يكون لها حضور في القضايا المصيرية، تُرشد المسلمين إلى ما يجب عليهم عمله حيالها، وتُقدم دليلا عمليا مسالما لا مُصادما، يستفيد من المساحة المتاحة للحريات، في ظل نظم الحكومات التي كبلت الشعوب، فبقيت في قضاياها المصيرية مشلولة الحركة ومعطلة حائرة، لا تجد من يأخذ بيدها إلى الانتفاع بما هو متاح.

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

17 صفر 1431 هـ

الموافق 1 / 2 / 2010

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق