طلب فتوى
التبرعاتالفتاوىالمعاملاتالمواريث والوصاياالوقف

الحبس على الذكور دون الإناث

حبس شرعا وقانونا

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4473)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

وقف جدي أملاكه على أبنائه الذكور دون الإناث، منذ أكثر من مئة سنة، مستندًا في فعله هذا على مذهب الإمام أبي حنيفة، ونص الوثيقة هو: (أنه وقف وحبس ما سيذكر على نفسه وعلى أبنائه الذكور خاصة دون الإناث وعلى من يزداد من بعده من صلبه من الذكور… وقف ذلك كيف ذكر على من ذكر وقفا صحيحا وحبسا أبديا سرمديا. على أن تكون الولاية في الحبس لنفسه ما دام حيا ثم على الأرشد من أبنائه الأكبر فالأكبر. وجعل للبنات من صلبه ومن صلب أبنائه الانتفاع من الغلة ما دمن من غير زوج بقدر نصيبها مع أخوتها، فإن استغنوا بالزوج أو الأولاد أو من يقوم بشؤونهن فلا يحق لهن شيء مما ذكر فإذا انقرض الذكور يرجع الوقف على بنات الصلب وبنات أبناء الصلب مع حجب الطبقة العليا للطبقة السفلى فإن انقرضوا رجع الوقف لبيت الله تعالى مثل سائر الأوقاف وذلك لا يباع ولا يوهب)، وأورد في نهاية الوثيقة التهديد الشديد، لمن لا يطبق ويلتزم من أبنائه بهذا الحبس، فما حكم هذا التحبيس؟ وما حكم التصرف فيه بالتملك والبيع؟ مع العلم: أن كل الأحفاد من أبنائه الذكور قد خالفوا ما ذكر في الوثيقة، بتقسيم الأراضي والعقارات حسب الفريضة الشرعية على جميع الورثة، وقاموا ببيعها، وقد امتنع أحد الورثة عن إعطاء أمي وخالتيَّ نصيبهن. فهل يحق لنا المطالبة بنصيب أمي وأختيها منه؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن الحبس على الذكور دون الإناث هو محل اختلاف بين أهل العلم، والصواب الذي ترجحه الأدلة أنه غير جائز شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ) [صحيح البخاري:2587]، وفي المدونة: “رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ إذَا ذَكَرَتْ صَدَقَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ وَإِخْرَاجَ الرِّجَالِ بَنَاتِهِمْ مِنْهَا تَقُولُ: مَا وَجَدْتُ لِلنَّاسِ مَثَلًا الْيَوْمَ فِي صَدَقَاتِهِمْ إلَّا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ}”[المدونة: 423/4]، وقال الخرشي رحمه الله: “وَإِنَّمَا بَطَلَ الْوَقْفُ عَلَى الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ لِقَوْلِ مَالِكٍ ‌إنَّهُ ‌مِنْ ‌عَمَلِ ‌الْجَاهِلِيَّةِ أَيْ: يُشْبِهُ عَمَلَهُمْ”[شرح الخرشي: 88/5]، وهو المعتمد في أكثر المذاهب.

وهذا الحبس تم إلغاؤه بصدور فتوى من مفتي الديار الليبية السابق الشيخ الطاهر الزاوي رحمه الله سنة 1973م، وبعد هذه الفتوى صدر القانون رقم 16 لسنة 1973م بإلغائه.

وقد صدر قرار مجلس البحوث والدراسات الشرعية رقم (2) لسنة 1435هــ 2014م: “بطلان ما كان منه قبل صدور قانون الإلغاء ولم يحكم حاكم بصحته، وتتم قسمة ما حكم ببطلانه على الجذر الموجود من الذكور والإناث، عند صدور قانون إلغاء التحبيس المذكور، عام 1973م، ومن مات منهم فلورثته ذكورًا وإناثًا”.

عليه؛ فإن هذا الحبس لا يعمل به شرعًا ولا قانونًا؛ لما في ذلك من التحايلِ على حرمانِ المرأة مِن الميراث، ويقسم الحبس المذكور – المُفْتَى ببطلانه – على الذكور والإناث، الموجودين وقت تاريخ صدور القانون سنة 1973م، بحسب الفريضةِ الشرعيةِ، ويعد المحبِّسَ كأنّه مات في ذلك الوقت، فَمن مات أصله قبل سنة 1973م وكان هذا الأصلُ أنثى، فإنه لا يرثُ، ولا يدخل في القسمة، ومن استحق شيئًا بعد إجراء الفريضة على النحو المذكورِ، فله التصرف في نصيبه بالبيع والهبة ونحو ذلك، ومن باع من الورثة شيئا من الحبس فعليهم الرجوع في ذلك إلى القضاء، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

(هذه الفتوى لا يحتج بها في النزاعات، ولا أمام القضاء، ولا تفيد صحة الوثيقة، لاحتمال أن لدى من ينازع فيها مقالا والدار لا علم لها به)

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد الرَّحمن حسين قدوع

حسن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

07//رمضان//1442هـ

19//04//2021م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق