طلب فتوى
مقالات الشيخ حمزة أبو فارسمقالات المفتي

المقاطعة لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ماذا تعني ، ولمن تكون ؟

المقاطعة لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ماذا تعني ، ولمن تكون ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

ليس من خلاف بين المسلمين على أن من أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسائل الإعلام تجب مقاطعته، نصرة لله عز وجل ونصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

والسؤال، هل المقاطعة نصرة للنبي صلى الله عليه وسلم  خاصة بالبلاد التي أساءت إليه بالرسوم الصحفية؟ أم أن نصرة الله تعالى ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم  ، توجب على كل مسلم أن يكون له موقف من قضايا المسلمين عامة؟ ألا يدخل في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم  مقاطعة بضائع جميع الشركات اليهودية والأمريكية، التي تسند الصهاينة في إسرائيل وتدعمهم دعما غير محدود، بالسلاح والعتاد والمال والصناعات المتطورة المتقدمة، العسكرية منها والمدنية، حتى إنها لا تسمح بها لغير اليهود، وتنفق على هذه الدولة الصهيونية أكثر مما تنفق على ولاية من ولاياتها، مع دعم سياسي صارخ ظالم في المحافل الدولية بيّّن التحيز، تعلنه ولا تخفيه ، ولا تتستر عليه، تفعل ذلك لتغطي عن جرائم إسرائيل الدموية اليومية، فتَحْملها بذلك على مزيد من العدوان وجرائم الحرب وسفك الدماء، وتجعلها بمنأى عن أية مساءلة دولية أو قانونية، هل يبقى مع هذا العدوان السافر، والتحيز الجائر المعلن إلى جانب العدو، عذرٌ لأحد في أن يتأول للولايات المتحدة الأمريكية، ولا يصنفها بلدا محاربا معادياً للمسلمين؟ هل يحل للمسلم شراء السلع الأمريكية ـ ليس اليهودية فقط ـ التي اجتاحت أسواق المسلمين اليوم، بداية من عجين الغراء، وفرشاة الأسنان، إلى الأرز والقمح، والدواء والسيارات، والمعدات الثقيلة، والسلاح والطائرات، هل يجوز شرعا الإقبال على شراء هذه السلع، والتنافس على استيرادها منهم، والحصول على التوكيلات التجارية عن شركاتهم، بفتح الأسواق المجمعة الكبرى، المعروفة بانتمائها الصهيوني ودعمها لإسرائيل، مثل أسواق (ماركس اسبنسر) و(المول) وغيرها من الأسواق اليهودية والأمريكية، هل النشاط التجاري والتعاون مع هؤلاء سائغ للمسلم ديانة وشرعا، وهو يرى حصار أمريكا مع إسرائيل غزة بأم عينيه صباح مساء، وما يفعلونه بالفلسطينيين من التقتيل والتجويع واستباحة الحرمات، كسرا لشوكة المسلمين.

هل يجوز شراء سلعهم، وجيوشهم وشركاتهم المدنية والعسكرية تجوس خلال الديار في العراق وغيرها من بلاد المسلمين؟ خمس سنوات متواصلة من التدمير في العراق لكل شيء، حتى الشجر والحجر، ولا تزال (زعيمة العالم الحر)  تسوّق شعارات الحرية والديمقراطية للعراقيين وللعالم، وتتكلم عن النعيم الموعود والعيش الرغيد المفقود، الذي ينتظر شعب العراق، هل سمع التاريخ قط، أكذوبة كهذه؟ !!!

 لو أن عدوا طوّق بيتك ليستبيحه، ومنع عنك الطعام والدواء، ويقصفك بأسلحة الدمار كل صباح، وجيرانك وإخوتك وبنو عمومتك يعينونه على وجه من الوجوه بما يقويه، بالمال أو غيره، يروّحون عليه أو يضيّفونه ويقدمون له الطعام، ألا تَعدّهم قد خانوك وغدروا بك، وهم إخوتك وبنو عمومتك الذين كنت تنتظر العون والنصرة منهم؟ وهل وقع مَن فعل ذلك فيما نهى الله تعالى عنه بقوله: ( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، بل لو وقف جيرانك منك موقف المتفرج، فلم يعينوا العدو ولم يعينوك، ولم يهبوا لنجدتك، وأنت تستنصر بهم، لَعُدّ ذلك منهم خيانة وغدرا، وتخليا عن نصرة الله تعالى ودينه، ومخالفة لأمره، القائل في محكم تنزيله:( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )، إلى أن قال:( إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)، والقائل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ)، والقائل(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)،(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، ونصرة الله تعالى التي أمر بها عباده في هذه الآيات القرآنية لا تعني غير نصرة المؤمنين والدفع عن دمائهم وأعراضهم إذا اجتاحهم العدو، فإنه سبحانه في ذاته لا يحتاج إلى عون أحد، قوي قاهر، عزيز ظاهر غالب، غني عن نصرة عباده، فمن أراد أن ينصره فلينصر دينه والمستضعفين من عباده المقاتلين لأعدائه.

لذا فإنه يتعين على كل مسلم عندما يمد يده إلى دينار أو درهم، ليشتري سلعة، سيارة أو آلة، أو غذاء أو لباسا، أو أكلا في مطعم، أو شرابا في مقهى، أو مقاما في فندق، أو شيئا آخر من لوازم حياته، صغيرا كان أو كبيرا، أن ينظر إلى جيب من يذهب هذا المال في نهاية الأمر؟، فإن البائع والقابض للمال الذي أمامه، ما هو إلا حلقة من حلقات، وواسطة من وسائط متعددة، لا يأخذ من هذا المال الذي يدفعه إلا قليلا ، وجله يذهب إلى المصدر الأول، منتج تلك السلعة ومالكها.

فإذا كان هذا المنتَج من شركات تنتمي إلى من يقتل إخوانه كفاحا جهارا، ويعلن عداءه للمسلمين ولا يخفيه، ولهذه السلع بديل من بلاد أُخر، أو يمكن للمسلمين الاستغناء عنها ولا يوقع ترك جميعهم لها في الحرج، بأن تكون من الكماليات التي يمكن الاستغتاء عنها، لا من علوم العصر المحتكرة عند العدو ولا بديل لها عند غيره، إن كان الأمر كذلك، فإن الواجب العيني على كل مسلم أن يكف عن شراء سلع تلك الدولة، ويقاطع الشركات التي تنتمي إليها، وكثير منها، هي شركات تقوم بالإضافة إلى أعمالها المدنية كبناء الطرق وإنتاج السلع والتنقيب على النفط، هي في الوقت نفسه تقوم بأعمال عسكرية تشارك فيها مشاركة مباشرة مع العدو في غزوه وحملاته، كحفر الخنادق، وتمده بالعتاد والخبرات الهندسية والاستخبارية وغيرها، فالمسلم يجب أن يكون منها على حذر فلا يعينها ، لا بخبرة ولا عمل ، إن كان يعطيها من خبرته وعمله أكثر مما يأخذ منها، حتى ولو أغرته بمرتبات عالية، ولا يعينها بشراء منتجاتها ولا بإسناد خدمات إليها في بلاده، ولا يكون وكيلا لها، فإنه بذلك يعين عدوه على نفسه وأمته، وعلى محاصرة إخوانه، وتجويعهم وانتهاك حرماتهم ودمائهم وأعراضهم، فلا يفعل ذلك ولو كانت سلعهم ومنتجاتهم أرخص أو أجود، فإن من ترك سلعة عدوه مع رخصها، واشترى غيرها مع زيادة ثمنها، نكاية في عدوه ونيلا من عدوه، واحتسابا لله، ونصرة لدينه والمسلمين، كان بذلك مأجورا ـ فيما بذله زائدا من ماله في السلعة ـ أجرا عظيما، أجر من جاهد بماله وأنفقه في سبيل الله، وكُتب له به عمل صالح، قال تعالى:(وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

المسلم من عامة الناس، قد يتعذر عليه التمييز، ومعرفة من يقاطع ومن لا يقاطع، فيتعين على أهل الاختصاص والخبرة والمنظمات الإسلامية، أن تكفيه هذه المهمة، بأن تتكون من بينها هيآت خاصة لرصد هذه المنتجات، وكشف الشركات المنتجة لها، التابعة للعدو، وإن انتمت إلى غير بلد العدو، وتسمت بغير اسمه بطريق التوكيل والامتياز التجاري، وبيان منتجاتها للناس، في قوائم تصدر وتنشر على الشبكة الدولية (الانترنت)، ويعلن عنها في رسائل على الجوالات، وفي المراكز الإسلامية المختلفة، والمساجد، والغرف والنقابات التجارية، بطريقة سهلة غير معقدة، لا يعسر على العامة استيعابُها وفهمها، والعمل بها وتطبيقها، فهذا من أعظم الأعمال التي تقرب إلى الله تعالى.

أهمية المقاطعة الاقتصادية في إضعاف العدو:

تجد من يشكك في جدوى المقاطعة الاقتصادية للدول المعادية للمسلمين ويقلل من أهميتها، بحجة أنها دول صناعية كبرى، ولها أسواقها في العالم غير الإسلامي، فلا يتأثر اقتصادها وإن قاطعها المسلمون، وهذا غير صحيح قطعا، فإن المقاطعة لمنتجات الدول المعادية معناه: إضعاف اقتصادها، وكساد منتجاتها، وانتشار البطالة والفقر بين شعوبها، ولقد أدرك الصحابي الجليل ثُمامة بن أُثال ما للمقاطعة الاقتصادية من أثر على العدو، فقد قال لقريش حين قالوا له صبوت ـ وقد أسلم ، استثارة لحفيظته حتى ينكص ـ قال : ( لا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وَلا وَاللهِ لا يَأْتِيكُمْ مِن اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ).

 وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاطعة ثلاثة من أصحابه في أقل من هذا، حين تخلفوا عن نصرة المسلمين من غير عذر في غزوة تبوك، والمسلمون في حاجة إليهم، وقد أشار الله تعالى إلى هذه المقاطعة في قوله:(وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، فلو لم تكن المقاطعة مجدية مع العدو، ومع المخالف، لما أمر بها النبي * ولما أقرها، ولما ذكرها القرآن.

في عالمنا المعاصر اليوم، بالمقاطعة تكسد الشركات التي تصنع، ويقل إنتاجها، ويُسَرِّح  عمالها، ويتوقف أو يقل دفع الضرائب للدولة، فتتفاقم الأزمات على حكوماتها، والاقتصاد هو عصب الحياة، فالذي يملك المال اليوم في العالم هو الذي يملك مصانع السلاح، ويملك مصانع الإعلام الموجه للشعوب، ويؤسس المواقف، ويملك مصانع الغداء، بل يملك أيضا مصانع إذلال الشعوب، فما أُذلت شعوبنا وانتزعت منها قراراتها في قضاياها المصيرية، وابتُزت ، إلا نظير مساعدات الدول الكبرى، وقروض البنك الدولي الربوية، التي ما زادتها إلا فقرا وذلا وتبعية.

واجب كل مسلم ألا يقلل من أهمية إسهامه في هذه المقاطعة، ولا يستصغر نصيبه وجهده فيها، فإن الغيث أوله قطرة، فإذا ما اجتمع صار سيلا جارفا، والمليون والمليار يتكون من قروش، فإذا ما اجتمعت صارت ثروة ذات قدر ووزن، وإحدى الشركات الدانماركية في المقاطعة الأولى التي لم تدم طويلا سرحت أحد عشر ألفا من عامليها، وكانت تخسر في اليوم الواحد 20 مليون دولارا… وللكلام بقية .

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

2 / جمادى الأولى / 1429 هـ

الموافق 7 / 5 / 2008

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق