طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير –  الحلقة (39)

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

 الحلقة (39)

 

(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)[البقرة:48-49].

هذا تذكيرٌ بمزيدٍ من النعم، التي أنعمَ الله تعالى بها على بني إسرائيل: اذكروا نعمتِي التي أنعمتُ عليكم وتفضيلكم، واذكروا وقتَ إنجائِكم مِن آل فرعونَ، و(آل فرعونَ) هم أنصارُه وأعوانه، و(آل) أصلُها أهل، قلبت الهاء همزةً تخفيفًا، لذا إذا صُغّرت رجعتْ إلى أصلها، فقالوا: أُهَيل، والآل: الأقاربُ والعشيرة، ولا تضاف (آل) عادةً إلا إلى ذي منزلةٍ وشأن، فلا يقالُ: آل اللصِّ وآلُ السارقِ، واختلفَ في إضافتها للأماكن والبلدانِ، كآل المسجد وآلِ المدينة.

وأُطلقَ على أتباعِ فرعون هنا (آل) مع هوانه على الله؛ لأن لهُ وجاهةً مِن جهة كونه ذا ملكٍ وسلطان في الدنيا، بخلافِ قوله تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)[1]، فذكر الآل فيه جرى على التهكم؛ لأنه يكون حينها في الذلّ والهوانِ، وفرعون هنا مراد به واحدٌ بعينه، هو فرعون موسى عليه السلام، ويطلق فرعون في الأصلِ على كلّ ملك حكم أقباطَ مصر، وكِسرى على مَن حكم الفرسَ، وقيْصر على من حكم الروم، وصار فرعون علمًا على كل طاغية مستكبرٍ مستبدٍّ.

وجعلت النجاةُ مِن آل فرعون دون فرعون، مع أنه الآمر بعذابِهم؛ لأنهم المباشرون للتعذيب، وهو جارٍ على القاعدة، إذا اجتمع في الجنايةِ المباشرُ والمتسببُ قُدم المباشر، لكن إذا كان الآمر والمتسبّبُ مُطاعًا، لا تمكنُ مخالفتُه، أو قويَ فعلُ المتسبّب كانَ شريكًا للمباشرِ، لذا فإنّ مَن دلَّ ظالمًا على أخذِ مالِ أحدٍ فأخذه، كان في الضمانِ كالمباشرِ للأخذ (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) سامَه: أرهقَه بما يؤلمه، فهم لا يتردَّدون في أن يمسَّكم مِن العذابِ والإذلال أشدُّه وأفظعُه (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) مِن هذا الإذلالِ والعذاب؛ أنّ آل فرعون كانوا يذبحونَ المواليدَ من ذكورِ اليهود، ويتخذونَ الرجالَ الكبار للخدمةِ والسخرة، وذاك أشدّ عليهم من القتل، وكانوا يبقونَ على البناتِ عند الولادة أحياء، وسمّوا نساءً باعتبارِ المآلِ، وللإشارة إلى أنّ الغرضَ من إبقائِهنّ الاعتداء عليهنّ، واتخاذهنّ جوارِي، حين يكنّ نساء، ولفظُ (يذبِّحونَ) بتضعيف الفعلِ يدلّ على المبالغةِ، وتكثير الذبح وتكرره، و(يستَحيونَ) السين والتاء في الفعل يستحيون يدلّ على أنهم كانوا يطلبونَ الإبقاء على الرجال للخدمة، ويحرصونَ عليه، ويتقصّونهُ بعنايةٍ، لذا قال: (وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) فتنة وابتلاء لهم غاية في الشدّة.

وما ذُكر مِن ذبحِ الأبناءِ هو جزءٌ من العذاب، لا كلّ العذاب، فجملة (يُذبّحونَ) وما عطف عليها؛ يجوز أن تكون بدلَ بعضٍ من كلّ مِن (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)، ويصحّ أن تكون في موضع حالٍ، أو مستأنفة على أنها عذاب آخر مضاف إلى العذاب الأول، لذا وردت في سورة إبراهيم: (ويذبحون) بالواو، عطفًا على (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)، بما يفيد هناك أنّ الذبح عذاب آخر غير السوم المتقدم، وليسَ تفسيرًا له، لدلالة العطف على المغايرة، وناسبَ العطف هناك أنها مسبوقة بجملٍ خبرية تشابهُها، بخلافها في البقرةِ، فالجمل التي قبلها طلبية؛ وهي قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا)، وقوله: (وَاتَّقُوا يومًا).

والمخاطبون في الآية الأبناء وقت نزولِ القرآن، والمقصود آباؤهم، وهم من عذبهم فرعون، ووَجّه الخطابَ للأبناء؛ ليستحضروا صورةَ ما حلَّ بآبائهم، كما في قوله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)[2]، أي: نجينا آباءكم، وحمَلنا آباءكم.

(وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) البلاءُ الاختبارُ والامتحانُ، ويكون بالخير والشر، فبالخير يختبرُ الشكر، وبالمحن يُختبرُ الصبر والرضا، قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)[3]، وأكثر استعماله إذا أطلق يكون في الشر، والمراد هنا الابتلاءُ بمحنة الذبح وما معه، بدليل قوله: (وفِي ذَلِكُم) فإنّ الإشارةَ إلى الذبح.

(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) فَرقْنا مِن التفريقِ، وهو الفصلُ بين أجزاءِ الشيء المتصل، وفَرَق وفرَّق بالتخفيف والتشديدِ بمعنًى واحدٍ؛ حقيقة في الفصل بين المحسوساتِ، مجازٌ في المعاني، إلّا أنّ فرّق بالتشديد فيه زيادة الدلالة على المبالغة في شدةِ التفريقِ، والمعالجة لمَا أجزاؤُه أشدّ اتصالًا، وفي مجيء القراءةِ عند جميع القراء بالتخفيفِ (فَرَقْنا) ما يشير إلى عظيم قدرة الله تعالى، ففرْقُ البحرِ وإن كان بمقتضى العادة يتطلبُ معالجةً، فهو على اللهِ تعالى هيِّن، والباء في (بِكُمُ البَحْرَ) للملابسة والمصاحبة، أي: كان فرْقُ البحرِ إلى شطرينِ مصاحِبًا دخولَهم إليه، و(أل) في البحر للعهد، وهو البحر الأحمر، وكان يُسمى بحرَ القلزومِ (فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) ذكرت الآية إغراقَ آل فرعونَ وهو معهم، وخصُّوا بالذكرِ لأنّهم كانُوا الذينَ يباشرون بنِي إسرائيلَ بسومِ العذابِ (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) جملةٌ حاليةٌ، أي: فرقْنا بكم البحرَ، وأنجيناكم، وأغرقنا عدوكم وأنتم يا مَن آمَنتُم بموسى تنظرون إلى إغراقهم، وذلك لتعظُم النعمة في أعينهم، وتقومَ الحجة على اليهود، فضمير (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) وإن كان لأسلافهم – لأنهم في الحقيقة هم من كانوا ينظرون – فإنّ النعمة على الأسلافِ نعمةٌ على الأبناء، ولا شكّ.

ونجاةُ بني إسرائيلَ من فرعون، أنّ الله تعالى نجاهم عندما أرادُوا إخراجَهم مِن مصرَ إلى الشام، فأذِنُوا لهم في الخروجِ، ثمّ ندمُوا، فأتْبَعوهُم مُشرقينَ، وكان البحرُ مِن أمامهم والعدوُّ مِن ورائِهم، حتّى قال قومُ موسى: (إنّا لمُدرَكون)[4]، قالَ لهم موسى: (كلَّا، إنّ معي ربّي سيَهدِينِ)[5]، فكانت المعجزة: (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ)[6] فِرقانِ، كلُّ فِرقٍ كالجبلِ العظيم، وكان لموسَى بينهما طريقٌ في البحرِ يبسًا، فأتبعَهم فرعون بجنودِه، حتى إذا ما توسَّطوهُ أطبقَ عليهم البحر، فغشيهم مِن اليَمّ ما غشيَهم، ونجَّى اللهُ تعالى موسى ومَن معه.

[1] [غافر:46].

[2] الحاقة:11

[3] الأنبياء:35

[4] [الشعراء:61].

[5] [الشعراء:62].

[6] [الشعراء:63].

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق