طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير –  الحلقة (67)

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

 الحلقة (67)

 

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:114 – 115].

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) نزلت فِي المشركين، عندما منع أهلُ مكَّة النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الدُّخول إلى مكَّة؛ كَما جَاء فِي حَدِيثِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ رضي الله عنه، حِينَ دَخلَ مَكَّةَ خِفْيَةً فِي عَامِ الحُدَيْبِيَةِ وقبلَها، حتى قَالَ أَبُو جَهْلٍ للنبي صلى الله عليه وسلم: “أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمُ الصِّبَاءَ”، وهذا العدوان متفرعٌ عَن تمني المُشرِكين عدم نُزولِ القُرآنِ على المسلمين، وتكذيبهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنـزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)[1]؛ ليتبينَ مِن ذلك أَنَّ ظلمَ المشركين فِي منعِ المسلمينَ مِن المسجدِ الحرامِ، وصدّهم عن سبيل اللهِ، هو ظلمٌ لَم يَبْلغهُ أَحدٌ مِمَّن قَبْلهُم.

(وَمَنْ أَظْلَمُ)[2] لا أحد أظلمُ ممّن منَع مساجدَ الله مِن أنْ تستعمَل فيما وُضعَت له، من العبادةِ والذكرِ والتعليم.

وَالظُّلْمُ: وضعُ الشيء في غير موضعِه، ويكونُ بِالاعتداءِ على حقِّ الغيرِ، وكانوا أظلمَ الناس؛ لأنهم ضمُّوا إلى كفرِهم اعتداءَهم على حقّ المسلمينَ في عبادةِ ربِّهم، وصدّهم عن المسجدِ الحرامِ، وهم أحقُّ الناس به، وفي حكم المسجدِ الحرام في التحذير مِن المنعِ منهُ سائرُ المساجدِ الأخرى، فالله تعالى وضع مساجده في الأرض ليوحَّدَ فيهَا ويُعبدَ، وتنطلقَ منها الدعوةُ إلى الله لإظهارِ دينه، فمَن صدَّ الناسَ عنها، ومنَعَ أن تُرفع وتعمرَ بالصلاة والذكرِ وتعليمِ العلمِ، أو عطَّلها عن دورِها وعن القيامِ برسالتِها، وعطَّل دروسَها، وما يُقدم فيها مِن أعمالِ البرّ والقربِ؛ فقد فعلَ فِعل المشركينَ، في صدِّهم عن سبيلِ الله وعنِ المسجدِ الحرامِ، لا أحد أظلم منه، وكذلك تعطيلُ ما يشبهُها؛ من الزوايا ومراكز التحفيظ ومدارسِ ومعاهدِ العلمِ، التي بُنيت لعبادة اللهِ وتعليمِ الخلقِ.

ولعلّ في التعبير بصيغة الجمعِ (مَساجِدَ اللهِ) ما يشيرُ إلى هذا التعميمِ في الحكم، وليس هو خاصًّا بسببه – وهو المسجد الحرام – بل يعمُّ كل مسجدٍ، ويعم ما في معنى المسجد مِن دورِ العبادةِ والعلمِ، ويدخلُ المشركون في الصدِّ عن الكعبةِ دخولًا أوليًّا، على قاعدةِ ورودِ العام على سببٍ خاصّ، وتكونُ الإضافة في (مساجِدِ اللهِ) على معنى اللامِ التي للاستغراقِ، ولا يدخلُ في المنعِ مِن المساجدِ المتوعّدِ عليه المنعُ بحقٍّ؛ كمنع أهلِ السوء، وجواسيسِ السلطانِ المعادي للدينِ ومخابراتهِ، ولا منع الجهلةِ وغير المؤهلينَ، الذين يفتون الناسَ في المساجدِ بغير علم؛ فيَضِلّون ويُضلون، ولا منع الغلاةِ – المنحرفين عن سواء السبيل ووسطيةِ الدِّين – من الدروس والمنابرِ، وإن زعمُوا أنهم به متمسّكون، ولا غلق المسجدِ  في غير أوقاتِ العبادة؛ لحفظِهِ وصيانته، وقد سُئل ابنُ عرفةَ عن ذلكَ فقال عن غلقِه لهذا الغرضِ: “حفظٌ وصيانةٌ”، وهوَ كمنعِ الجنبِ والحائضِ منه، ومنعِ آكلِ الثومِ، وكمنعِ مُنشدِ الضالّة، ومنعِ عمرَ رضي الله عنه الحديثَ فيه للدنيا… إلخ.

ولا تعارض بين قولهِ هنا: (ومَنْ أظلَمُ ممَّن مَنَعَ مساجِدَ اللهِ)، وقولِه في الآيةِ الأخرَى: (وَمَنْ أظْلَمُ ممَّنِ افْترَى علَى اللهِ كَذِبًا)[3]؛ لأن المعنى أنّ ظلمَ مَن منَعَ مساجدَ الله أشدُّ مِن ظلمِ غيرِه، غير ظلمِ الافتراءِ مثلًا، لا أنَّه أظلمُ الناسِ، وكذا مَن افترَى الكذبَ ظلمُه أشدُّ مِن ظلم غيرِه، غيرِ المنعِ منَ المساجدِ، لا أنّه أظلمُ الناسِ على الإطلاقِ؛ لأنّ ظلمَ الكفرِ أشدُّ منه قطعًا.

أو أنّ المفاضلةَ في الظلم هي بين أفراد النوعِ الواحدِ، الوارد التحذيرُ فيه؛ فالظلمُ المتعلقُ بالمساجدِ أشدُّه المنعُ منها، والظلم المتعلقُ بالكذبِ أشدُّه الافتراءُ على اللهِ، وهكذا.

(وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) أصلُ السّعيِ المشيُ والمضيُّ، والمرادُ به التسببُ المقصودُ في الفسادِ والخرابِ؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾[4]، وعُدي الفعلُ بـ[في] الدالةِ على التعليل، أي: سَعَى لأجلِ الخرابِ والفسادِ (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) الإشارة بأولئكَ إلى مَن منعَ المساجدَ، وسعَى في خرابِها، واللامُ في لهم للاستحقاقِ، أي: لا يحقُّ لهم دخولُها بعدَ أنْ فعلوا ما فَعلوا إلّا خائفينَ، وهو بيانٌ للجزاءِ الذي يستحقّونه؛ في الدنيا الذي هو الخوفُ والمذلةُ، وفي الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ، عذابُ الظالمينَ، وقد تحققَ هذا الوعيدُ في الدنيا بالخوف والمذلةِ – لمَن صدُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المسجدِ الحرام – يومَ فتحِ مكةَ، حتّى نادَى المنادي: مَن دخلَ المسجدَ الحرامَ فهو آمنٌ، فدخلُوهُ يومَها مذعورينَ، هروبًا مِن السيف.

أو أنّ المعنى: ما كان ينبغي لمن منعَ مساجدَ الله مِن أهلِ الباطلِ، أن يدخلُوا المساجدَ إلّا خاشعينَ لله، خائفينَ، لا أن يكونُوا مستكبرينَ مُفسدين.

(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) الْمَشْرِقُ اسم مكان مَوضِع الشُّرُوقِ، وَالْمَغْرِبُ مَوضِع الغُرُوبِ، أَي: للهِ الجهات كلّها، فهي مشارق ومغاربُ، وله ما بين الجهاتِ، مِن الأراضي والسماواتِ وسائرِ المخلوقات.

وإضافة المشرق والمغرب إلى الله للتشريفِ، كما هي في بيتِ الله، وناقة الله، وتشريفُها من جهةِ أنها في قبلةِ الصلاة، فمن النّاس مَن تكونُ مكة إلى شرقِهِ، ومنهم من تكونُ إلى غربهِ، وتتفاضلُ الجهاتُ بتفاضل التقرُّبِ بها إلى الله، قال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: “كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي وَهُوَ مُقْبِلٌ مِن مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، قَالَ: وَفِيه نَزَلَتْ: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)”[5].

(فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللهِ)[6] المعنى: إلى أيِّ جهةٍ وليتُم وجوهَكم، راكبينَ في سيرِكم وقتَ سفرِكم (فثَمَّ وَجهُ اللهِ) فتلكَ القِبلَةُ التي تصلّونَ؛ كمَا جاءَ عن ابنِ عمر.

(إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وسعتْ رحمتُه وأحاطَ علمُه بكلِّ شيءٍ؛ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا)[7].

[1] البقرة:105.

[2] مَن مبتدأ وأظلمُ خبر، وجملة (أَنْ يُذكَرَ) بدلٌ مِن مساجد، وأصل مَن الاستفهامية نكرةٌ موصوفة، فالكلام من النكرة في سياق النفي التي تفيد العموم.

[3]) الأنعام:93.

[4]) النازعات:22.

[5]) مسلم: 700.

[6]) أينَمَا أداةُ شرط، منصوبةٌ على الظرفية، و(تُولُّوا) فعلُ الشرطِ مجزومٌ، و(أَينَ) هي العَامِلَةُ، ومَا زَائِدَةٌ، وجملة (فَثَمَّ وَجهُ اللهِ) جوابُ الشرط، وثَمَّ ظرفُ مكانٍ مبهمٌ مبنيٌّ على الفتحِ للبُعدِ، مثل (هناك).

[7] غافر:7.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق