طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير –  الحلقة (94)

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

 الحلقة (94)

 

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:179 – 182].

 

هذه الآيةُ تُعرف بآية الوصية، وفعل (كَتَبَ) يدل على الوجوب والإلزام، وحضور الموت حضور أماراته وعلاماته على المريض، والخير: المال، والْوَصِيَّةُ: المال الموصَى به، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وتطلق على كلِّ ما يريد صاحبه تنفيذه بعد موته مِن البرّ.

و(كُتِبَ) مبني للمفعول، و(الْوَصِيَّةُ) نائبُ فاعل، وما بينهما مِن جملتي الظرفِ (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) والشرط (إِن تَرَكَ خَيْرًا) معترضتان، وجواب الشرطِ محذوف، دلَّ عليه قوله: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) والمعنى: كُتبَ الإيصاءُ على المريضِ عند حضورِ أجلهِ، وظهور علاماتهِ، فإنْ كانَ له مالٌ فلْيوصِ.

وذكرت الآية الوصية للوالدين والأقربين دون الأبناء؛ لأن العربَ في الجاهلية كانوا يحرمون البنات وسائر القرابات من الوصية، ويخصون بها الأبناءَ الذكور، فنبههم القرآنُ إلى الوصية التي يغفلون عنها، وكانت الوصية للوالدين والأقربين في أولِ الأمرِ واجبةً بهذهِ الآية، ثم نسخت بآية المواريث، التي قسم الله فيها التركات، ولم يتركها لأحدٍ، فقال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)([1])، وابتدأها القرآن بلفظ الوصية (يُوصِيكُم) تأليفًا لهم في الانتقال بهم عما تعودوه، بما يحقق لهم العدل الذي افتقدوه في وصيتهم، ثم بينت السنة بعد ذلك والإجماع أحكامَ الوصية، مِن كونِها مقيدة بالثلث، وأنّها لا تكونُ لوارثٍ، وأنّها مندوب إليها غير واجبة، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلمِ في الوصية.

(بِالْمَعْرُوفِ) الباء للملابسة، أي: مصحوبة بالمعروف، والمعروف: المألوف الذي تحبه النفوس وتسكنُ إليه، وهو ما يحقق العدل في الوصية، بإيثار الضعيف والمحتاج، والبعد بها عما يثير الكراهية والبغضاء (حَقًّا) مصدر مؤكد لفعل كُتب؛ لأنه بمعناه (عَلَى الْمُتَّقِينَ) كل من ينشد تقوى الله، ينبغي ألا يضيع هذا الحق، وهو الوصية، لما فيه من الخير والنفع له ولمن بعده.

(فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) الضمائر في قوله (بَدّلَهُ) وما بعده راجعةٌ إلى الإيصاء، المفهوم من لفظ الوصية، على حدّ قوله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ)([2])، في رجوعه إلى العدل المفهوم من (اعْدِلُوا)، والتبديلُ التغييرُ في الوصية بالزيادة أو النقص أو التحريف فيها، أو بإخفائها وعدم تنفيذها (بَعْدَ مَا سَمِعَهُ) قيدٌ يظهر شناعةَ هذا التبديل، الصادر عن علمٍ بها بعد سماعها، لا عن جهل وعدم معرفة، وليس المقصود خصوص السماع، بل ما يعم التحقق من صدورها من الموصي، بالعلم أو غلبة الظن، كما يعم وعيد التبديل في قوله (فَمَنْ بَدَّلَهُ) الموصَى لهم والشهود، وغيرهم.

(فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) إثم التبديل قاصر على من فعله وباشره، مِن الكاتب والشهود، وفي حكمهم موصى له علِمَ التبديلَ وكتمَه، ولا يتعدى الإثمُ إلى الموصي، أو مَن غفل عن التبديل ولم يعلمه (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) تذييل لتأكيد الوعيد، وأن ما يقع من التبديل لا يغيب عن سمع الله تعالى وعلمه.

(فَمَنْ خَافَ) توقع وغلب على ظنه أو علم (جَنَفًا) من جنف كفرح، أي: ميلا وبعدًا عن الإصلاح والمعروف، الذي أمر الله تعالى به في الوصية، كأن قدَّم غنيا من قرابته وحرم فقيرا (أَوْ إِثْمًا) حيفًا واضحًا، وجورًا بيِّنا، كمن أوصى لوارث، أو بما يَحرمُ وارثا (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) دليل جوابِ الشرط المقدر، تقديره: فمَن عَلم الحيفَ في الوصيةِ فلا ينفذ الحيف، وليُصلحْ ما كان فيها من الإثمِ والميلِ، ولينفذ ما كان على  منهج الشرع دون غيره (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) في هذا التغيير؛ لأنه من التبديل إلى صلاح لا إلى فساد (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لمن أصلح ورجع إلى الحق في الوصية.

 

 

[1]) النساء: 11.

[2]) المائدة: 8.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق