طلب فتوى
الأسرةالطلاقالفتاوى

حكم الطلاق حال الغضب الشديد المطبق

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (5208)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

تشاجرتُ مع زوجتي، فقلتُ لها وهي في منزل والدها: “عليَّ اليمين ما عاد متبعتيني”، ثم أرجعتُها إلى عصمتي، وبعد ذلك بمدة طويلة تلفظتُ بالطلاقِ في منزل أمي، وأنا في حال غضبٍ شديدٍ وانهيار عصبي، حيث إنني لم أكن مدركًا لما فعلتُ إلى أن أخبرني مَن كان شاهدًا على ذلك، بأنني تلفظتُ بالطلاق، فكم طلقة تلزمني؟ علمًا أني مريض بالتصلب اللويحي وغيره من الأمراض.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فقول الزوج: “ما عاد متبعتيني” في هذه الواقعة؛ هو من قبيل الكناية الخفية، التي يقع بها الطلاق إن قصده الزوج، قال الدردير رحمه الله: “وَنُوِّيَ فِيهِ: أَيْ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ، وَفِي عَدَدِهِ فِي كُلِّ كِنَايَةٍ خَفِيَّةٍ تُوهِمُ قَصْدَ الطَّلَاقِ، نَحْوَ: اذْهَبِي وَانْصَرِفِي … أَوْ أَنَا لَمْ أَتَزَوَّجْ … فَإِنِ ادَّعَى عَدَمَ الطَّلَاقِ صُدِّقَ، وَإِنِ ادَّعَى عَدَدًا وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ صُدِّقَ” [الشرح الصغير: 566/2]، ولما سئل الزوج عن قصده، قال: إنه أراد الطلاق؛ فتلزمه بذلك طلقة واحدة، وأما قوله: “عليَّ اليمين” فهو حلفٌ بالطلاق برَّ به؛ لوقوع الطلاق، نقل الشيخ عليش عن الأجهوري رحمهما الله قوله: “لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَفَعَلَتِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ” [فتح العلي المالك: 64/2].

والعقلُ هو مناطُ التكليفِ والمؤاخذةِ بالأقوالِ والأفعال، فإذا كان المطلِّقُ يعِي ما يقول، ويقصدُ ما تكلمَ به؛ فالطلاق واقعٌ، وأما إن كان المطلقُ شديدَ الغضب وقتَ الطلاق، إلى درجةٍ لا يعِي فيها ما يقولُ، ولا يشعرُ بما صدرَ منه؛ فالطلاقُ لا يقعُ؛ لأنه صارَ في حكم المجنونِ فاقدِ العقل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [الترمذي: 142]، وقال الصاوي رحمه الله: “يَلْزَمُ طَلَاقُ الْغَضْبَانِ، وَلَوِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ … وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَغِبْ عَقْلُهُ، بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَالْمَجْنُونِ” [حاشية الصاوي: 449/1].

عليه؛ فإنْ كانَ الحالُ ما ذكر، فقد لزم الزوجَ طلقة واحدة بقوله: “عليَّ اليمين ما عاد متبعتيني”، ولا يلزمه الطلاق بما تلفظ به في منزل أمه؛ لأنه وقت وقوعِ الطلاقِ لم يكن مالكًا لأمرِ نفسه؛ لكونه غير مدركٍ لما يقول بسبب شدة الغضب؛ وليعلمِ الزوجُ أن وقوعَ الطلاق عليه من عدمهِ متوقفٌ على صدقِ ما أخبرَ به، مِن عدمِ إدراكه لما وقعَ منه مِن التلفظِ بالطلاقِ، أمَّا إن كان مدركًا لما وقَع منه من الطلاقِ؛ فإنّ هذه الفتوى لا تفيدُه؛ لأنها بُنيتْ على إخباره بعدمِ إدراكه، فإذا كانَ الواقعُ غيرَ ذلك، وكان مدركًا؛ فالطلاقُ لازمٌ له، والفتوَى لا تصلحُ له، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد العالي بن امحمد الجمل

حسن بن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

18//ذو القعدة//1444هـ

07//06//2023م

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق